تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه ، ونزل الفرزدق على ابنه حمزة ، وقال : [ الكامل ]
أصبحت قد نزلت بحمزة حاجتي * إن المنوّه باسمه الموثوق « 1 » بأبي عمارة خير من وطئ الحصى * وجرت له في الصالحين عروق بين الحواريّ الأغرّ وهاشم * ثم الخليفة بعد والصّدّيق
فكان كلّ ما أصلح حمزة بن عبد اللّه من شأن الفرزدق نهارا أفسدته بنت منظور ليلا ، حتى غلبت النّوار ، وقضى ابن الزبير عليه ، فقال : [ البسيط ]
أمّا البنون فلم تقبل شفاعتهم * وشفّعت بنت منظور بن زبّانا « 2 » ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا * مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
فلما سمع ابن الزبير شعره ، توقّف في أمره ، فلقيه يوما بباب المسجد ، فضمّه إلى الحائط ، حتى كادت تزهق نفس الفرزدق . وكان الزبير في غاية من القوّة ، ثم هزّه وتركه خائفا ، ثم دخل على النّوار ، فقال لها : إمّا أن تتمّي زواج ابن عمّك وإلا قتلته ، وأرحت المسلمين من شرّ لسانه ، فقالت له : ولا بدّ أن تقتله ؟ قال : ولا بدّ ، فعطفها عليه رحم القرابة ، وقالت : لا واللّه لا أدعه للقتل ، قد رضيته . فتزوّجها ، فحكم عليه ابن الزبير بمهر مثلها عشرة آلاف درهم ، فسأل : هل بمكة أحد يعينه ؟ فدلّ على سلم بن زياد ، وكان ابن الزبير قد حبسه ، فقال : [ الطويل ]
دعي مغلقي الأبواب دون فعالهم * ومرّي بمسرى لي هبلت إلى سلم « 3 » إلى من يرى المعروف سهلا سبيله * ويفعل أفعال الكرام التي تنمي
ثم دخل على سلم ؛ وأنشده القصيدة ، فقال : هي لك ومثلها لنفقتك ، فقبض عشرين ألفا ، فدفع مهرها ، فدخل بها ، وأحبلها قبل أن تخرج من مكة ، ثم خرج بها ، وهما عديلان في محمل ، وكانت أبدا تخالفه وتسبّه ، لأنها كانت صالحة الدّين ، وكان هو رديء الدين ، زانيا قاذفا للمحصنات ، فكانت تكرهه . ومن ملح أخبارها أنه راود امرأة شريفة على نفسها ، فامتنعت عليه ، فتهدّدها بالهجاء ، فاستعانت بالنّوار ، فقالت : واعديه ليلة ؛ ثم أعلميني . ففعلت ، وجاءت النّوار ، ودخلت الحجلة مع المرأة ، فلما دخل الفرزدق البيت ، أمرت الجارية فأطفأت السراج ، وبادر الحجلة والنّوار فيها ، وهو لا يشكّ أنها صاحبة الدار ، فواقعها . فلما فرغ قالت : يا عدوّ اللّه ، يا فاسق ! فعرفها ، وعلم أنه قد خدع ، فقال لها : وأنت هي ! يا سبحان اللّه ! ما أطيبك حراما ، وأبردك حلالا ! فلم تزل تؤذيه بلسانها حتى أبغضها .
هامش
( 1 ) الأبيات في ديوان الفرزدق ص 570 . ( 2 ) الأبيات في ديوان الفرزدق ص 873 . ( 3 ) البيتان في ديوان الفرزدق ص 775 .