فحدّث أبو معقل راويته ، قال : قال لي الفرزدق يوما : امض بنا إلى حلقة الحسن ، فإني أريد أن أطلّق النّوار ، فقلت : إني أخاف أن تتبعها نفسك ، ويشهد عليك الحسن وأصحابه ، قال : امض بنا ، فجئنا حتى وقفنا على الحسن فقال : كيف أصبحت يا أبا سعيد ؟ قال : بخير ، كيف أصبحت يا أبا فراس ؟ قال : لتعلمنّ أن النّوار طالق مني ثلاثا ، فقال الحسن وأصحابه : قد سمعنا ، قال : فانطلقنا ، فقال الفرزدق : يا هذا ، إنّ في قلبي من النوّار شيئا ، فقلت : قد حذّرتك ، فقال : [ الوافر ]
ندمت ندامة الكسعيّ لمّا * غدت منّي مطلقة نوار « 1 »
وكانت جنّتي فخرجت منها * كآدم حين أخرجه الضّرار
ولو أني ملكت يدي ونفسي * لأصبح لي على القدر اختيار
وكنت كفاقئ عينيه عمدا * فأصبح ما يضيء له نهار
وتوفيّ سنة عشر ومائة . وفيها مات جرير وابن سيرين والحسن ، فقالت امرأة بصريّة : كيف يفلح بلد مات فقيهاه وشاعراه ، وأضافت جريرا إلى البصرة لكثرة قدومة إليها ، ومسكنه باليمامة . وأخباره تطول ، وإنما ذكرنا منها ما تعلّق بالنّوار معه .
[ الكسعيّ وقوسه ]
وأما الكسعيّ فرجل منسوب إلى كسع ، قبيلة باليمن ، واسمه محارب بن قيس ، وبندامته يضرب المثل ؛ يقال : أندم من الكسعيّ ، وقيل : إنه من بني سعد بن ذبيان ، وقيل : اسمه عامر بن الحارث .
ومن حديثه أنه كان يرعى إبلا بواد كثير العشب والخمط ؛ فبينما هو يرعاها بصر بنبعة على صخرة ، فقال : ينبغي أن تكون هذه قوسا ، فجعل يتعهّدها ويقوّمها حتى أدركت ، فقطعها ، فلما جفّت اتّخذ منها قوسا ، وأنشأ يقول : [ الرجز ]
يا ربّ وفّقني لنحت قوسي * فإنّها من لذّتي لنفسي
وانفع بقوسي ولدي وعرسي * أنحتها صفراء مثل الورس
* صلداء ليست كقسيّ النّكس « 2 » *
ثم دهنها وخطمها بوتر ، واتّخذ من برايتها خمسة أسهم ، وجعل يقلّبها في كفّه ، وينشد : [ الرجز ]
هامش
( 1 ) الأبيات في ديوان الفرزدق ص 363 .
( 2 ) الرجز لمحارب بن قيس في لسان العرب ( كسع ) ، وتاج العروس ( كسع ) ، ويروى الشطر الأخير من الرجز :كبداء ليست كالقسي النّكس