تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
وانظر الامتزاج الذي ذكر في الخامسة والأربعين . عنايته : اعتناؤه به واهتمامه . * * * فبينما أنا عند حاكم الإسكندريّة ، في عشيّة عريّة ، وقد أحضر مال الصّدقات ، ليفضّه على ذوي الفاقات ، إذ حلّ شخص عفرية ، تعتله امرأة مصبية ، فقالت : أيّد اللّه القاضي ، وأدام به التّراضي ، إنّي امرأة من أكرم جرثومة ، وأطهر أرومة ، وأشرف خئولة وعمومة ، ميسمي الصّون ، وشيمتي الهون ، وخلقي نعم العون ، وبيني وبين جاراتي بون ، وكان أبي إذا خطبني بناة المجد ، وأرباب الجدّ ، سكّتهم وبكّتهم ، وعاف وصلتهم وصلتهم ، واحتجّ بأنّه عاهد اللّه بحلفة ، ألّا يصاهر غير ذي حرفة * * *

[ الإسكندرية ]

مدينة عظيمة من بلاد مصر ، بناها الإسكندر ذو القرنين ، وهو الذي مشى مشارق الأرض ومغاربها . قال السدّيّ : لما سأل أهل الكتاب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم عن ذي القرنين ، قال : سأخبركم كما تجدونه مكتوبا عندكم : إنّ أول أمره أنه غلام من الروم ، أعطي ملكا ، فسار حتى أتى ساحل البحر من أرض مصر ، فابتنى عندها مدينة يقال لها الإسكندرية . وقال الهمذانيّ : ذو القرنين ينسب إليه التاريخ قبل الإسلام ، ومؤدّبه أرسطاطاليس الحكيم ، وكان ملكه الذي بلغ فيه أقصى المشرق والمغرب خمسة عشر عاما ، والإسكندرية لما بناها رخّمها بالرخام الأبيض جدرها وأرضها ، فكان لباسهم فيها السواد من نصوع بياض الرخام ، وإذا كانت ليلة مقمرة يدخل الخياط الخيط في خرق الإبرة من بياض رخامها . وقيل : إنها مكثت سبعين عاما لا يدخلها أحد إلا وعلى بصره خرقة سوداء من بياض جصّها ورخامها ، ولم يحتج لها في تلك المدة إلى سراج بالليل من ضيائها . وقيل : كانت ثلاث مدن يحيط بجميعها سور . قال ابن جبير : ما شهدنا بلدا أوسع مسالك ، ولا أعلى بناء ، ولا أعتق ولا أحفل من الإسكندرية ، وأسواقها في نهاية الاحتفال ومن أعجب ما في وصفها أن بناءها تحت الأرض كبنائها فوقها وأعتق ، لأنّ الماء إذا جاء من النيل يخترق جميع آبارها وأزقّتها تحت الأرض ، فتتصل الآبار بعضها ببعض ، ويمدّ بعضها بعضا ، وعاينّا فيها من سواري الرّخام وألواحه كبرا وعلوّا واتساقا حسنا ما لا يتخيّل إلا بالوهم ؛ حتى إنك تلقى بعض
شرح مقامات الحريري — صفحة 241 | إبراهيم شمس الدين / أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي