تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣

[ مما قيل في الضباع ]

والضباع : جمع ضبع ؛ وهو نوع من سباع الأرض ، وهي مضادّة في الخلقة لسبع الأندلس ، لأنها عظيمة الكفل والفخذين رقيقة الصدر ، وهذا السبع أزلّ عظيم الصدر ، والضبع عظيم البطن ، ولذلك سمى حضاجر بالجمع ، والحضجر : عظيم البطن . والحضجر : الوطب الكبير من اللبن ، ويشبّه به العظيم البطن ، وهي عرجاء مثل هذا السبع ، ويضرب بحمقها المثل فيقال : أحمق من ضبع ، وأحمق من أمّ عامر وهي كنيتها . ومن حمقها أنّ الصائد يدخل وجارها فيقول لها : خامري أمّ عامر ، ومعناه الجئي إلى أقصى مغارك واستتري ، فتتقبّص ، فيقول : أم عامر ليست في وجارها ، ثم يقول : أبشري أمّ عامر بكمر الرجال ، أبشري أم عامر بشاة هزلي ، وجرادة عظلى ، فتمدّ يديها ورجليها ، فيوثقها ويشدّ عراقيبها بحبال فلا تتحرّك ، ولو شاءت أن تقتله لأمكنها ، ولا يدخل عليها إلا عريانا ، وإن دخل بثوب قتلته ، ثم يخرج لأصحابه بالحبال ، وهم على فم الوجار بأسلحتهم ، فيخرجونها بالجرّ من قعر الوجار ويقتلونها . ومن حمقها أنّها تترك جراءها إذا خرجت تلتمس ما تأكل ، فتجد جراء أخرى قد خرجت أيضا لذلك ، وتركت جراءها فترضع أولاد غيرها ، وتترك أولادها ، فربما ضاعت جراؤها فأكلها الذئب . وقال الشاعر : [ الطويل ]
كمرضعة أولاد أخرى وضيّعت * بني بطنها ، هذا الضلال عن القصد
قال أبو زيد : والضباع لا تفترس شيئا إنما تأكل الجيف ، وتنبش القبور عن الموتى ، وربما اجتمعت الجماعة منها على حمار فأكلته ، وليس لها بالنهار كبير عمل ، قال الهذليّ : [ الوافر ]
تبيت اللّيل لا يخفى عليها * حمار حيث جرّ ولا قتيل « 1 »
قوله : « المستضيمة » أي المذلّلة . والضيم : الذلّ ؛ يضرب المثل لتلاعب الزمان بالناس بالأسود والضباع ، فقال : إنّ الضباع المحتقرة عند الأسود تتناول الأسود بالضرر ، وكذلك الزّمان يرفع الحقير والهجين ويكثر رزقه ، ويضع الرفيع ويقتّر عليه ، ويملّك الهجناء والأراذل الخطط الجسام ، ويجرّع النبلاء والأعيان غصص المخازي وكئوس الحمام . * * *

[ الدهر وأحواله ]

وهذه أحوال مشاهدة تنسب إلى الدهر لوقوعها فيه ، وقدّرها الباري عزّ وجلّ اختبارا لعباده ، وليبصّر العقلاء جريان أحكامه في خلقه ، وأنّ الكل تحت قهره ، وأن كلّ إنسان من
هامش
( 1 ) البيت لساعدة بن جؤية الهذلي في ديوان الهذليين 1 / 216 .