تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
وكتب سليمان بن وهب بقلم صلب ، فاعتمد عليه اعتمادا شديدا ، فصرّ القلم في يده ، فأنشد : [ الطويل ]
إذا ما التقينا وانتضينا صوارما * يكاد يصمّ السامعين صريرها تساقط في القرطاس منها بدائع * كمثل اللآلي نظمها ونثيرها تقود أبيات البيان بفطنة * تكشّف عن وجه البلاغة نورها تظلّ المنايا والعطايا شوارعا * تدور بما شئنا وتمضي أمورها إذا ما خطوب الدهر أرخت ستورها * تجلّت بنا عما يسرّ ستورها
وأتى رجل وكيعا ، فقال : رجل يمتّ إليك بحرمة ! فقال له : وما حرمتك ؟ قال له : كنت تكتب بمحبرتي عند الأعمش . فوثب وكيع إلى منزله ، ثم أخرج منه دنانير لنفقته ، وقال له : اعذرني فما أملك غيرها ، ودفعها إليه . وقال أبو الحسن بن لبّال في محبرة آبنوس : [ الكامل ]
وخديمة للعلم في أحشائها * كلف بجمع حلاله وحرامه لبست رداء اللّيل ثم توشّحت * بنجومه وتتوّجت بهلاله
وحدثني عن شيخي الفقيه أبي عبد اللّه بن زرقون ابنه الفقيه أبو الحسين ، قال : حدّثني أبي أنه كان بسبتة أيام الشبيبة والطلب ، في مجلس جمع من طلبة الأدب ، فتعرّض لهم رجل بمحبرة صنعها ، وأراد أن يقصد بها الوالي على حسنها ، وكانت محبرة آبنوس بحلية صفراء مذهبة ، فأطرقوا يروّون ، فبادرهم أبو الطالب بن أبي ركب فقال : [ الكامل ]
جاءتك من غرر العلا زنجيّة * في حلّة من حلية تتبختر سوداء صفراء الحليّ كأنّها * ليل تطرّزه نجوم تزهر
فاستحسنهما من حضر ، ورأوا أنه قد أربى على الغاية فيما عنه صدر ، فكتبا للرجل في رقعة ، فبعد ما سار بها قليلا ، رجع فأبرز منها قلم صفر مذهبا ، ورغب أن يضمّن ذكره في منظوم يضاف إلى البيتين ، فأطرقوا يروّون في ذلك ، فبادرهم أبو طالب المذكور فقال : [ الكامل ]
كملت بأصغر من نجار حليّها * تخفيه أحيانا ، وحينا يظهر خرسان إلا حين يرضع ثديها * فتراه ينطق ما يشاء ويذكر
وقال آخر يصف دواة وأقلاما : [ الخفيف ]
قد بعثنا إليك أمّ العطايا * والمنايا زنجيّة الأحساب في حشاها من غير حرب حراب * وهي أمضى من نافذات الحراب