تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً
[ الكهف : 45 ] . كم واثق بها قد فجعته ، وذي طمأنينة إليها قد صرعته ، وذي احتيال فيها قد خدعته . وكم من ذي أهبة فيها قد صيّرته حقيرا ، وذي نخوة قد ردّته ذليلا ، وذي تاج قد كبّته لليدين والفم ؛ سلطانها دول ، وعيشها رنق ، وعذبها أجاج ، وحلوها صبر ، مليكها مسلوب ، وعزيزها مغلوب ، وسليمها منكوب ، وجامعها محروب ؛ مع أنّ وراء ذلك سكرات الموت ، وهول المطلع ، والوقوف بين يدي الحكم العدل
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى
[ النجم : 31 ] . ومن جيّد شعره في وقعة دولاب « 1 » : [ الطويل ]
لعمرك إني في الحياة لزاهد * وفي العيش ما لم ألق أمّ حكيم « 2 » من الخفرات البيض لم ير مثلها * شفاء لدى بثّ ولا لسقيم لعمرك إني يوم ألطم وجهها * على نائبات الدهر جدّ لئيم ولو شهدتني يوم دولاب أبصرت * طعان فتى في الحرب غير ذميم غداة طفت علماء بكر بن وائل * وعجنا صدور الخيل نحو تميم فلم أر يوما كان أكثر مفظعا * يمجّ دما من فائظ وكليم وضاربة خدّا كريما على فتى * أغرّ نجيب الأمّهات كريم أصيب بدولاب ولم تك موطنا * له أرض دولاب ودير حميم فلو شهدتني يوم ذاك وخيلنا * تبيح من الكفار كلّ حريم رأت فتية باعوا الإله نفوسهم * بجنات عدن عنده ونعيم
وأمّ حكيم التي شبّب بها ، كانت معه في عسكر الإباضيّة ، وكانت من أشجع الناس ، وأجملهم وجها ، وأحسنهم بدينه متمسّكا . وكان قطريّ يحبّها ويجلّها ، وأخبر من شاهدها في تلك الحروب أنها كانت ترتجز فتقول : [ الرجز ]
أحمل رأسا قد سئمت حمله * وقد مللت دهنه وغسله * ألا فتى يحمل عنّي ثقله *
والخوارج يفدّونها بالآباء والأمهات ، وخطبها جماعة من أشراف الخوارج فردّتهم ، وقالت : [ الطويل ]
هامش
( 1 ) دولاب : قرية من عمل الأهواز ، كانت بها حرب الأزارقة ومسلم بن عبيس بن كريز . ( 2 ) الأبيات في ديوان قطري بن الفجاءة ص 175 ، والبيت السادس في لسان العرب ( فيظ ) ، برواية :فلم أر يوما كان أكثر مقصعا * يبيح دما من فائظ وكليم
شرح مقامات الحريري — صفحة 163 | إبراهيم شمس الدين / أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي