الوقت ، وحضر القاضي أبو بكر ابن الأزرق نسيبه ، وانتقلنا من الطعام إلى مجلس الشراب ، فلمّا دارت الكأس أدوارا قال لي : ما أراك تحلف على القاضي ليشرب معنا ويساعدنا وإن كان لا يشرب إلّا قارصا . قلت : أنا غريب ومحتشم له وأمره بك أمسّ وأنت به أخص ، قال : فاستدعى غلاما وقال : امض إلى إسحاق الواسطي واستدع منه قارصا وتولّ خدمة القاضي - أيّده اللّه - فمضى الغلام وغاب ساعة ثم أتى ومعه خماسيّة فيها من الشراب الصّريفيني الذي بين أيدينا ، إلّا أن على رأسها كاغدا وختما وسطرا فيه مكتوب : قارص من دكّان إسحاق الواسطي .
قال : فتأمله القاضي وأبصر الخطّ والختم ثمّ أمر فسقي رطلا ، فلمّا شربه واستوفاه قال للغلام : ويلك ما هذا ؟ قال : يا سيدي هذا قارص ، قال : لا بل واللّه الخالص ، ثمّ ثنّى له وثلّث ، فاضطرب أمر القاضي علينا وأنشأ يقول :
ألّا فاسقني الصّهباء من حلب الكرم * ولا تسقني خمرا بعلمك أو علمي
أليست لها أسماء شتّى كثيرة * ألّا فاسقنيها وأكن عن ذلك الاسم
فكان كلّما أتاه بالقدح سأله عنه فيقول تارة : مدام ، وتارة : خندريس ، وهو يشرب ، فإذا قال له : خمر حرد واستخفّ به ، فيتوارى بالقدح ساعة ثمّ يعيده ويقول : هذه قهوة فيشرب به ، فلم يشرب القاضي إلّا بمقدار ستّة أسماء أو سبعة من أسماء الخمر حتى انبطح في المجلس ولفّ في طيلسان أزرق عليه وحمل إلى داره .
- 28 - « 28 »
قال ابن نصر : حدثني أبو الحسن عليّ بن هلال المعروف بابن البواب الكاتب « 1 » قال : كنت أتصرّف في خزانة الكتب لبهاء الدولة بن عضد الدولة بشيراز
هامش
( 28 ) - معجم الأدباء 15 : 122 - 124 ، وقد لخص الذهبي هذا الخبر في سير أعلام النبلاء 17 :
317 .
( 1 ) كانت وفاة ابن البواب سنة 413 ، انظر ترجمته في المنتظم 8 : 10 ومعجم الأدباء 15 :
120 ( ط . دار المأمون ) وابن خلكان 3 : 342 وسير أعلام النبلاء 17 : 315 .