تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شذرات من كتب مفقودة في التاريخ — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
على اختياري وأراعيها له وأمرها مردود إليّ ، فرأيت يوما في جملة أجزاء منبوذة جزءا مجلّدا بأسود قدر السكّريّ ، ففتحته وإذا هو جزء من ثلاثين جزءا من القرآن بخطّ أبي عليّ ابن مقلة ، فأعجبني وأفردته وجعلت وكدي التفتيش عن مثله ، فلم أزل أظفر بجزء بعد جزء مختلط في جملة الكتب إلى أن اجتمع تسعة وعشرون جزءا ، وبقي جزء واحد استغرقت تفتيش الخزانة عليه مدّة طويلة فلم أظفر به ، فعلمت أن المصحف ناقص ، فأفردته ودخلت إلى بهاء الدولة وقلت : يا مولانا هاهنا رجل يسأل حاجة لا كلفة فيها ، وهي مخاطبة أبي عليّ الموفّق الوزير على معونته في منازعة بينه وبين خصم له ، ومعه هدية طريفة تصلح لمولانا قال : أيّ شيء هي ؟ قلت : مصحف بخطّ أبي عليّ ابن مقلة ، فقال : هاته وأنا أتقدّم بما يريد ، فأحضرت الأجزاء فأخذ منها واحدا وقال : أذكر وكان في الخزانة ما يشبه هذا وقد ذهب عنّي ، قلت : هذا مصحفك وقصصت عليه القصّة في طلبتي له حتى جمعته إلّا أنه ينقص جزا وقلت : هكذا يطّرح مصحف بخطّ أبي عليّ ؟ فقال لي : فتمّمه لي . قلت : السّمع والطاعة ، ولكن على شريطة أنّك إذا أبصرت الجزء الناقص منها ولا تعرفه أن تعطيني خلعة ومائة دينار ، قال : أفعل ، وأخذت المصحف من بين يديه وانصرفت إلى داري ، ودخلت الخزانة أقلّب الكاغد العتيق وما يشابه كاغد المصحف ، وكان فيها من أنواع الكاغد السمرقنديّ والصينيّ والعتيق كلّ ظريف عجيب ، فأخذت من الكاغد ما وافقني ، وكتبت الجزء وذهّبته وعتّقت ذهبه ، وقلعت جلدا من جزء من الأجزاء فجلّدته به وجلّدت الذي قلعت منه الجلد وعتّقته ، ونسي بهاء الدولة المصحف ، ومضى على ذلك نحو السّنة ، فلمّا كان ذات يوم جرى ذكر أبي عليّ ابن مقلة فقال لي : ما كتبت ذلك ؟ قلت : بلى قال : فأعطنيه ، فأحضرت المصحف كاملا فلم يزل يقلّبه جزا جزءا وهو لا يقف على الجزء الذي بخطّي ، ثم قال لي : أيّما هو الجزء الّذي بخطّك ؟ قلت له : لا تعرفه فيصغر في عينك ، هذا مصحف كامل بخطّ أبي عليّ ابن مقلة ونكتم سرنا ؟ قال : افعل ، وتركه في ربعة عند رأسه ولم يعده إلى الخزانة ، وأقمت مطالبا بالخلعة والدنانير وهو يمطلني ويعدني ، فلمّا كان يوما قلت يا مولانا : في الخزانة بياض صينيّ وعتيق ومقطوع وصحيح ، فتعطيني المقطوع منه كلّه دون الصّحيح
شذرات من كتب مفقودة في التاريخ — صفحة 314 | إحسان عباس