- 5 -
وقال : قال لي الشيخ أبو الحسن الربعي ، وقد سألته عن « لعمرك » و « لعمري » والقسم بذلك ، وأعلمته أني رأيت بخطّ بعض الناس فيه واوا ، وقلت له :
إن الواو لا مدخل لها هاهنا فإنها دخلت على « عمرو » للفرق بينه وبين عمر ، وهذا قسم ولذلك دخلت اللام فيه ، فقال : أخطأ وأصبت ، وتكلم في اللام الداخلة على « عمري » وقال : إن اللام في قولهم : لزيد قائم تفيد أمرين : أحدهما التأكيد والآخر تقدير استقبال القسم ، وهي من قولهم « لعمري » لا تفيد سوى التأكيد ، لأن عمري قسم ، والقسم لا يدخل على قسم ، وتكلم في ذلك بما طال ، ثم قال لي : أعد ، فأعدت ما قال بعينه ، ونحن إذ ذاك في دار أبي غالب ابن الثلاج ، وهو يقرأ عليه ، فقال له : يا أبا غالب ، هذا هو الذكاء الكبريتي ، قال : وكيف يا سيدي ؟ قال : هكذا ذكاء العراقيين . وحدثنا قال : كان يقرأ على أبي علي الفارسي فتى من أهل نسا ، وكان بعيدا بليدا ، وهو يقبل عليه ويصرف همّته إليه ، وأهل المدرسة يحيطون بدروسه دونه ، وأبو علي يغتاظ من الترديد الذي يقصد به إفهامه ، ويفهم غيره ، فقال لنا يوما : الذكاء على أربع طبقات : فأولها الذكاء الكبريتي ، وهو ذكاء العراقيين ، فإنهم يفهمون سريعا وينسون ذريعا ، وثانيها طبقات أهل العلم ، وهم يفهمون على بطء ما ولا يكادون ينسون سريعا ، وثالثها طبقات أهل [ . . . ] وهم الذين يفهمون سريعا ولا ينسون ، ورابعها طبقة هذا الفتى ، وهو الذي لا يكاد يفهم إلا بعيدا وينسى قريبا ، فاستحيى الفتى ولم يره في مجلسه بعدها .
- 6 -
قال : ورأيت كاتبا جالسا إلى جانبي وقد كتب كتابا افتتحه بأن قال : « لم أقر لمولاي كتابا منذ كذا » ، فلما فرغ من الكتاب كلّه تأمله ثم طواه ولم يغير شيئا ، فقلت له : لا يجوز « لم أقر » فإن هذه همزة ، والهمزة حرف صحيح يجري بوجوه الإعراب ، وعلامة الجزم فيه حذف حركته ، فأعرض عني وأعطى الكتاب لغلامه وقال له : ألصق هذا وأنفذه ، فأمسكت حينئذ .