تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شذرات من كتب مفقودة في التاريخ — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
حتى إذا جزّأها أجزاء ، وجعلها مبدّدة أشلاء ، عاد يصلح ما أفسد من حالها ، ويجمع ما فرّق من أوصالها ، فكم من صورة مستحسنة قدحها وعابها ، ودائرة مستقيمة قطعها فشانها ، فأصبحت بعد الجسم الممسّد ، والاسم الرائق المفرد ، ذات البنائق والأركان ، وصاحبة الدخّارص والجربّان . هذا وكيف تكون بختامها وعنده من كبدها فلذة ، وفي خزائنه من أعضائها فضلة ، وعلى ذلك فالشكر عنها مبذول ، وحبل الثناء بها موصول ، والسلام . قال : فلما كان من الغد التقينا في دار القاسم فقال : لعنك اللّه فإنك كافر للنعمة ، ولعنني حيث تعرضت بك في الكتابة ، وقد أنفذت إليك فضلة الثوب ، لا بارك اللّه لك فيه ولا فيها . قال ابن نصر : وهذا الخبر عكس ما لحقني مع أبي عمرو سعيد بن سهل العارض ، فإنه دخل يوما إلى دار الوزارة بالبصرة وجعل ينتظر الإذن ، فقلت لغلامي : امض إلى أبي العباس الكوفي البزاز وخذ منه الثوب السقلاطون المعمّد الذي عزلته للدرّاعة ، وأذن لأبي عمرو ، فدخل وما ظننته تسمّع عليّ ، ومضى الغلام فلم يصادف البزاز ، وانصرفت آخر النهار إلى داري وإذا فيها دراعة سقلاطون معمّدة في نهاية الحسن ، فسألت عنها فقيل : جاء رجل وقال : أنا صاحب أبي عمرو العارض ، خذوا هذه الدراعة ، قلت : وكان معها رقعة ؟ قيل لا ، فكتبت إليه من الغد : للفواضل - أطال اللّه بقاء الأستاذ الرئيس - فضائل تتميز بها وتستطيل بمكانها على أضرابها ، منها : أن ترد بكرا لم يفترعها السؤال ، وتقطع عرضا لم تحتسبها الآمال ، فتلك الشّربة العذبة للظامي ، وإصابة الشاكلة عند الرامي ، كتحفته التي جاءت مسيّرة كالجداول ، مذهّبة كالأصائل ، معدّلة بحسن التقدير والتوفيق ، منزّهة عن فحش السّعة والضيق ، محلولة الجيب والجيوب مزرورة ، مكشوفة الفرج والفروج مستورة ، فهي من بدائع صورها ، ووشائع حبرها ، كالرياض الرائعة والبروق اللامعة ، سلكها دقيق ، ومنظرها أنيق ، كأنما عدلت بمعيار ، أو ديّر ذيلها على بركار ، لابسها مختال ، ومانحها مفضال ، قد سيّرها بفضله المكتوم ، وشهّرها بعرفه النموم ، فطويتها طيّ المكرم الضنين ، ونشرت الشكر عنها نشر الخاطب المبين ، وأفردتها عن أشكالها وإن عزّ المشاكل ، وجعلتها زينة للمواكب