أتيتك من عند صبية جياع ، فقال : هاتيهم فو اللّه لأشبعنّهم ، فلما جاءت بهم قام إلى فرسه فذبحه واشتوى ، فأشبعنا ، ثم قال : واللّه إنّ ذا للؤم ، أن تأكلوا وأهل الصّرم حالهم كحالكم ، / فجعل يأتي الصّرم بيتا بيتا ، ويقول : عليكم النار ، فاجتمع عليه من العدة مقدار لم يتركوا منه شيئا ، وهو مقنع بكسائه ، قد قعد حجرة ، ما ذاق منه .
« [ 100 ] »
وأما قولهم : أجود من كعب ؛
فهو كعب بن مامة الإيادي .
ومن حديثه أنه خرج في ركب فيهم رجل من النّمر بن قاسط « 64 » في شهر ناجر ، والنّجر : العطش . فضلّوا : فتصافنوا ماءهم ، والتّصافن : أن يطرح في القعب حصاة ، ثم يصب فيه من الماء بقدر ما يغمر الحصاة . والجاحظ يزعم أن تلك الحصاة تسمى المقلة ، قال : وهذا الحرف سمعته من البغداديين ، ولم أسمعه من البصريين ، وقد برئت منه إليكم . فيشرب كلّ إنسان بقدر واحد ، بكيل واف .
فقعدوا للشّرب ، فلما دار القعب إلى كعب أبصر النمريّ يحدد النظر إليه ، فآثره بمائه ، وقال للساقي : « اسق أخاك النّمريّ يصطبح » « 65 » ، فيشرب النمريّ نصيب كعب من ذلك . ثم نزلوا من غدهم المنزل الآخر فتصافنوا بقية مائهم ، فنظر النمريّ إلى كعب كنظرة أمس ، وقال كعب كقوله في أمسه ، وارتحل القوم وقالوا : يا كعب ارتحل ، فلم تكن به قوة للنهوض ، وكانوا قد
هامش
( [ 100 ] ) الجمهرة 1 : 338 ، المستقصى 1 : 54 ، المجمع 1 : 183 ، ثمار القلوب 126 ، أمثال السدوسي 73 ، نهاية الأرب 2 : 117 ، تمثال الأمثال 130 ، الوسيط 65 ، سمط اللآلي 840 .
( 64 ) النمر بن قاسط : جد جاهلي ، من أشد ربيعة . كان له عقب كثير في المدينة ، ارتد جماعة منهم أيام أبي بكر فأبادهم خالد بن الوليد ، ودخل بعضهم الأندلس مع الفتح . ( الأعلام 8 : 48 ) .
( 65 ) المثل في الجمهرة 1 : 94 ، المستقصى 1 : 170 ، المجمع 1 : 333 ، تمثال الأمثال 183 ، أمثال الضبي 138 ، فصل المقال 350 ، الوسيط 65 ، سمط اللآلي 840 .