واستقبل مطلع الشمس ، واسأل عن القمر - يريد الزّبرقان ، فإنه من أسماء القمر ، وسمّى به لحسنه - وسر إلى أمّ هند بنت صعصعة - يعنى زوجته - ففعل وأكرمته المرأة ، فبلغ ذلك بغيض بن عامر بن شمّاس - وكانوا ينافسون « 1 » الزّبرقان - فأرادوه على جوارهم فأبى ، فدسّوا إلى امرأة الزّبرقان ؛ أنّه يريد أن يتزوّج مليكة ابنة الحطيئة - وكانت جميلة - فقصّرت في حقّ الحطيئة ، وظهر له منها الجفاء ، فانتقل إلى بنى شمّاس فضربوا له قبّة ، وضربوا له أثاثا ، وربطوا له بكلّ طنب جلّة « 1 » ، وأراحوا عليه إبلهم وكسوه .
ثم ورد الزّبرقان فقال : ردّوا علىّ جارى ، فأبوا ، وكاد يكون بينهم حرب ، فقال أهل الرأي منهم : خيّروه ، ففعلوا ذلك ، فاختار بغيضا ، فصار يمدحهم ، وهم يطلبون منه هجاء الزّبرقان فيمتنع ، إلى أن أرسل الزّبرقان إلى رجل من النّمر ، فهجا بغيضا ، فحينئذ قال الحطيئة يهجو الزّبرقان ويناضل عن بغيض :
واللّه ما معشر لاموا امرأ جنبا « 2 » * في آل لأي بن شماس بأكياس
لمّا بدا لي منكم غشّ أنفسكم « 3 » * ولم يكن لجراحى منكم اسى
أزمعت يأسا مبينا من نوالكم * ولن يرى طاردا للحرّ كالياس
دع المكارم لا ترحل لبغيتها * واقعد فإنّك أنت الطّاعم الكاسى
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه * لا يذهب العرف عند اللّه والنّاس
فاستعدى عليه الزّبرقان عمر بن الخطّاب رضى اللّه عنه ، فقال عمر للزّبرقان :
ما أرى هجوا ولكن معاتبة . فقال الزّبرقان : أما تبلغ مروءتى إلّا أن اكل وألبس ! فقال عمر رضى اللّه عنه : علىّ بحسّان ؛ فجىء به ، فسأله : أهجاه ؟
قال : لا ، بل سلح عليه بعد أن أكل الشّبرم « 4 » ، فأمر عمر بقطع لسان الحطيئة
هامش
( 1 ) الجلة وعاء من خوص يتخذ للتمر .
( 2 ) الجنب : الغريب .
( 3 ) الأغانى : « غيب أنفسكم » .
( 4 ) الشبرم : حب يشبه الحمص ، يطبخ ويشرب ماؤه للتداوي وقيل : إنه نوع من الشيح .