وحدّث علقمة بن جرير ، قال : استؤذن لجماعة على معاوية ، وكنت فيهم ، فلما دخلنا عليه أجلسنا وأكلنا ، ثم قال : يا علقمة ، هل عندك ظريفة تحدّثنا بها ؟ قلت : نعم ، أقبلت قبل مخرجى إليك أسوق شارفا « 1 » لي أريد نحرها عند الحىّ ، فأدركني اللّيل بين أبيات بنى الشريد ، فإذا عمرة ابنة مرداس عروسا ، وأمّها الخنساء بنت عمرو ، فقلت لهم : انحروا هذه الجزور ، واستعينوا بها ، وجلست معهم ، فلما هيّئت أذن لنا ، فدخلنا ، فإذا هي جارية وضيئة - يعنى عمرة - وإذا أمّها الخنساء جالسة ملتفة بكساء أحمر ، وقد هرمت ، وإذا هي تلحظ الجارية لحظا شديدا ، فقال القوم : باللّه يا عمرة إلّا تحرشت بها فإنّها الآن تعرف بعض ما أنت فيه ، فقامت الجارية تريد شيئا ، فوطئت على قدمها وطأة أوجعتها ، فقالت وهي مغيظة : حس ! إليك يا حمقاء ! واللّه لكأنما تطئين أمة ورهاء ؛ أنا واللّه كنت أكرم منك عرسا ، وأطيب ورسا ، وذلك زمان إذ كنت فتاة أعجب الفتيان ، لا أذيب الشحم ، ولا أرعى البهم ، كالمهرة الصّنيع ، لا مضاعة ولا عند مضيع . فعجب القوم من غيظها من ابنتها ، وضحك معاوية حتى استلقى .
وماتت الخنساء في زمنه بالبادية .
ومن محاسن شعرها قولها في رثاء أخيها :
فاذهب فلا يبعدنك اللّه من رجل * درّاك ضيم وسلّاب بأوتار « 2 »
قد كنت تحمل قلبا غير مؤتشب « 3 » * مركّبا في نصاب غير خوّار
فسوف أبكيك ما ناحت مطوّقة * وما أضاءت نجوم الليل للسّارى
شدّوا المآزر حتى يستقاد لكم « 4 » * وشمّروا إنّها أيّام تشمار
هامش
( 1 ) الشارف : الناقة المسنة .
( 2 ) ديوانها 110 .
( 3 ) مؤتشب : دنا ، وفي الديوان : « غير مهتضم » .
( 4 ) الديوان : « حتى يستذف لكم » ؛ أي يتهيأ .