وكتب لآخر : أما بعد ، فالسّلام على عهدك ، وداع ذي ودّ ضنين بك في غير مقلية لك « 1 » ، ولا سلوة عنك ، بل استسلام للبلوى في أمرك ، وإقرار بالعجز عن استعطافك إلى أوان فيئتك ، أو يجعل اللّه لنا دولة من رجعتك « 2 » .
وقال يفضّل الزجاج على الذهب ، من رسالة : الزّجاج مجلوّ نورىّ ، والذّهب متاع سائر ، والشّراب في الزّجاج أحسن منه في كلّ معدن ، ولا يفقد معه وجه النّديم ، ولا يثقل في اليد « 3 » ، ولا يرتفع في السّوم « 4 » ؛ واسم الذهب يتطيّر منه ؛ ومن لؤمه سرعته إلى اللئام ، وهو فاتن فاتك « 5 » لمن صانه ، وهو أيضا من مصايد إبليس ، ولذلك قالوا : أهلك الرجال الأحمران « 6 » . والزجاج لا يحمل الوضر « 7 » ولا يتداخله الغمر ، ومتى غسل بالماء وحده عاد جديدا ؛ وهو أشبه شيء بالماء ، وصفته عجيبة ، وصناعته أعجب . . .
من رسالة طويلة . وكان سبب قوله لها أن شدّادا الحارثىّ كان قد وصف الذهب فأطنب ، وكان النظّام قد ذمّ الزّجاج ، وقال : تعلّموا العلم فلأن بذمّ الزمان لكم خير من أن يذمّ بكم .
قال يوما : ثلاثة من المجانين : الغضبان ، والغيران ، والسّكران ، فقال شخص من العوامّ : فما تقول في المنعظ ؟ فضحك حتى استلقى وأنشد يقول :
وما شرّ الثّلاثة أمّ عمرو * بصاحبك الذي لا تصحبينا « 8 »
هامش
( 1 ) مقلية : كراهية .
( 2 ) ط : « رمقك » ، أي نظرك .
( 3 ) ط : « ولا يثقل اليد » .
( 4 ) السوم في المبايعة : المساومة .
( 5 ) انظر جمهرة الرسائل 3 : 472 .
( 6 ) في اللسان : « أهلك النساء الأحمران ، أي الذهب والزعفران ، أي أهلكهن الحلى والطيب » .
( 7 ) الوضر : وسخ الدسم .
( 8 ) لعمرو بن كلثوم ، من معلقته ص . . . بشرح التبريزي .