بمذهب الاعتزال ، وتأمّل كتب الفلاسفة ، ومال إلى الطبيعيّين منهم ، وساد على المتكلّمين بفصاحته ، وحسن عبارته .
ومما تفرّد به القول بأنّ المعرفة طبائع « 1 » ، وهي مع ذلك فعل العباد على الحقيقة .
وكان يقول في سائر الأفعال : إنّها إنّما تنسب إلى العباد على أنّها وقعت منهم طباعا ، وأنّها وجبت بإرادتهم ، وليس بجائز أن يبلغ أحد ولا يعرف اللّه تعالى .
والكفّار عنده بين معاند ، وبين عارف قد استغرقه حبّه لمذهبه وعصبيّته ، فهو لا يشعر بما عنده من المعرفة بخلافه .
إلى غير ذلك من آرائه التي تبعه عليها أصحابه المعروفون بالجاحظيّة .
فأمّا مصنفاته الأدبيّة ، مثل كتاب « البيان والتبيين » ، وكتاب « الحيوان » ، وكتاب « الأمصار » ، وغيرها من الرسائل ، فكثيرة جدّا ، مشحونة بأنواع الفضائل .
وكان منقطعا إلى الوزير محمّد بن عبد الملك بن الزيات [ منحرفا عن ابن أبي داود ] « 2 » . ولما قبض عليه وعوقب في التنّور ، هرب الجاحظ ، فقيل له :
لم هربت ؟ قال : خفت أن أكون ثاني اثنين إذ هما في التّنّور - يريد بذلك ما صنعوا بابن الزيّات ، من إدخاله تنّورا فيه مسامير محمّاة ، كان هو صنعه ليعذّب الناس فيه ، فعذّب به حتى مات - ثم أتى بالجاحظ بعد موت ابن الزيّات ، وفي عنقه سلسلة ، وهو مقيّد في قميص سمل ، فلمّا نظر إليه ابن أبي دواد قال :
واللّه ما علمتك إلا كفورا للنّعمة ، معدنا للمساوى . . . في كلام يقرّعه به ؛ فقال الجاحظ : خفّض عليك أيّدك اللّه ! فو اللّه لأن يكون لك الأمر علىّ خير
هامش
( 1 ) ت : « طباع » .
( 2 ) من ت .