الجناح والسّاق ! انظر أين رميته ؟ فقال : واللّه ما أدرى ، قال : لكني أدرى أنك رميته في بطنك .
وحكى الجاحظ ، أن أبا الهذيل العلّاف المتكلّم سأله رقعة يكتب بها إلى الحسن سهل ، يستعينه على ضائقة لحقته ، فكتب رقعة وختمها ، ودفعها إليه ، فأوصلها إلى الحسن ، فلمّا رآها ضحك ، وأوقف عليها أبا الهذيل ، وإذا فيها مكتوب :
إنّ الضمير إذا سألتك حاجة * لأبى الهذيل خلاف ما أبدى
فامنحه روح اليأس ثم امدد له * حبل الرّجاء المخلف الوعد
حتى إذا طالت شقاوة جدّه * وعنائه فاجبهه بالرّدّ
وإن استطعت له المضرّة فاجتهد * فيما يضرّ بأبلغ الجهد
وانظر كلامي فيه فارم به * خلف الثريّا منك في البعد « 1 »
وكذاك فافعل غير محتشم * إن جئت أشفع في أبى هند
ثم قال الحسن : هذه صفته لا صفتنا ؛ وأمر لأبى الهذيل بمال ، فعاد إليه وعاتبه ؛ فقال سهل : ترى أين عزب عنك الفهم ! أما سمعت قولي : « إن الضمير خلاف ما أبدى » ! فلو لم يكن ضميري الخير ما قلت هذا .
وهذه من مغالطات سهل وبلاغته ، وستأتي في ترجمة الجاحظ حكاية مثل هذه .
ومن محاسن تعريضات سهل ، أنّه خاطب بعض الأمراء ، فقال له :
كذبت ! فقال : أيّها الأمير ، إنّ وجه الكذّاب لا يقابلك - يعنى الأمير بذلك ؛ لأنّ وجه الإنسان لا يقابله .
هامش
( 1 ) هذا البيت وتاليه لم يذكر في ط .