ويروى أنّ المأمون كان قد انحرف عن سهل إلى أن دخل عليه يوما فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّك ظلمتنى ، وظلمات فلانا الكاتب ، فقال : ويلك ! وكيف ؟ قال : رفعته فوق قدره ، ووضعتنى دون قدرى ، إلّا أنك له في ذلك أشدّ ظلما ، قال : كيف ؟ قال : لأنّك أقمته مقام هزء ، وأقمتني مقام رحمة .
فضحك المأمون ، وقال : قاتلك اللّه ! ما أهجاك ! ورضى عنه .
وقد رويت هذه الحكاية لغيره .
وحكى عن سبب رضا المأمون عنه أنه تكلّم بكلام حسن في محفل ، فقام سهل ، وقال : ما لكم تسمعون ولا تعون ولا تعجبون ! أما واللّه إنّه ليقول ويفعل في اليوم القصير مثل ما قالت وفعلت بنو مروان في الدّهر الطويل ؛ فأعجب المأمون قوله ورضى عنه .
ومن كلامه يعزّى : التهنئة على اجل الثواب ، أولى من التعزية على عاجل المصاب « 1 » .
وقال في المعنى : مصيبة في غيرك لك ثوابها ، خير من مصيبة فيك لغيرك ثوابها .
وقال : حقّ على كلّ ذي مقالة أن يبدأ بحمد اللّه قبل استفتاحها ، كما بدئ بالنعمة قبل استحقاقها .
وكتب إلى صديق له أبلّ من ضعف : بلغني خبر الفترة « 2 » في إلمامها وانحسارها ، والشّكاة في حلولها وارتحالها ، فكاد يشغل القلق بأوّله عن السكون لآخره ، وتذهل الحيرة في ابتدائه عن المسرّة في انتهائه ، وكان تغيّرى في الحالين بقدرهما ، ارتياعا للأولى وارتياحا للأخرى .
هامش
( 1 ) ط : « المصيبة » .
( 2 ) الفترة : الضعف .