مسيرة مائة يوم ، حامل علم ، أو طالب ، أو متعبد ، أو زاهد ، في زاويته إلا وكرامته شاملة له ، وسابغة عليه .
وكان الذي يخرج من بيوت أمواله في هذه الأبواب : ستمائة ألف دينار في كل سنة ، فوشى به الوشاة إلى أبي الفتح الملك ، وأوغروا صدره ، وقالوا : إنّ هذا المال المخرج من بيوت الأموال يقيم به جيشا تركن « 1 » رايته في سور قسطنطينية ، فخامر ذلك قلب أبي الفتح .
فلما دخل عليه قال له : يا أبت ، بلغني عنك أنّك تخرج من بيوت الأموال كل سنة ستمائة ألف دينار إلى من لا ينفعنا ، ولا يغني عنّا ، فبكى « نظام الملك » ، وقال : يا بنيّ أنا شيخ أعجميّ لو نودي عليّ فيمن تزيد ، لم أحفظ خمسة دنانير ، وأنت غلام تركي ، لو نودي عليك عساك تحفظ ثلاثين دينارا ، وأنت مشتغل بلذّاتك ، ومنهمك في شهواتك ، وأكثر ما يصعد إلى اللّه معاصيك دون طاعتك ، وجيوشك الذين تعدهم للنوائب إذا احتشدوا كافحوا عنك بسيوف طولها ذراعان ، وأقواس لا ينتهي مدى مرماها ثلاثمائة 194 و / / ذراع ، وهم مع ذلك مستغرقون في المعاصي والخمور ، والملاهي والمزامر ، والطّنبور « 2 » ، وأنا أقمت لك جيشا يسمى « جيش الليل » ، إذا نامت جيوشك ليلا قامت جيوش الليل على أقدامهم صفوفا بين يدي ربهم ، فأرسلوا دموعهم ، وأطلقوا بالدعاء ألسنتهم ، ومدوا إلى اللّه أكفّهم بالدعاء لك ولجيوشك ، فأنت وجيوشك في خفارتهم « 3 » تعيشون ، وبدعائهم تثبتون ، وببركاتهم تمطرون ، وترزقون ، تخرق سهامهم إلى السماء السابعة بالدّعاء والتضرع .
فبكى « أبو الفتح » بكاء شديدا ثم قال : شاباش يا أبت ، شاباش يا أبت ، أي أكثر لي من هذا الجيش » « 4 » .
هامش
( 1 ) في الشهب اللامعة : ص : 219 : يركز .
( 2 ) الطّنبور والطّنبار : آلة طرب ذات عنق طويل لها أوتار من نحاس ، « فارسية » .
( 3 ) خفره يخفره خفرا أو خفرا : أجاره وحماه وأمّنه ، والخفارة : الذمام .
( 4 ) القصة واردة في الشهب اللامعة : 219 - 220 .