وبالكلام ، ينبئ به أوله عن آخره ، وآخره عن أوله ، وأن تتكلم بالشيء تعرفه بالمعنى دون اللفظ ، كما يعرف بالإشارة ، وتسمي الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة والمعاني الكثيرة بالاسم الواحد .
ثم قال : فمن جهل هذا من لسانها وبلسانها نزل الكتاب . وجاءت به السنة فتكلف القول في علمها تكلف ما يجهل بعضه ، ومن تكلف ما جهل ، وما لم يثبته معرفة كانت موافقة الصواب إن وافقه من حيث لا يعرفه غير محمودة ، وكان بخطئه غير معذور ، إذا نطق بما لا يحيط به علمه ، بالفرق بين الصواب والخطأ فيه . هذا قوله وهو الحق الذي لا محيص عنه .
قال : وغالب ما صنف في أصول الفقه من الفنون إنما هو من المطالب العربية التي تكفل المجتهد فيها بالجواب عنها ، وما سواها من المقدمات ، فقد يكفي فيه التقليد ، كالكلام في الأحكام تصورا وتصديقا ، وكأحكام النسخ وأحكام التحديث « 1 » .
قال : فالحاصل أنه لا غنى بالمجتهد في الشريعة عن بلوغ درجة الاجتهاد في كلام العرب بحيث يصير فهم خطابها له وصفا غير متكلف ، ولا متوقف فيه في الغالب إلا بمقدار توقف الفطن لكلام اللبيب » .
قلت : انظر قوله : وغالب ما صنف في أصول الفقه من الفنون إنما هو من المطالب العربية .
وما تقدم عن « الزمخشري » : « أن الكلام في معظم أبواب أصول الفقه ومسائلها مبني على علم الإعراب » . فإن ذلك مناف لقول المازري في « شرح البرهان » « 2 » : « أن العربية لا تكون مادة في جميع أصول الفقه ، وإنما تكون مادة لنوع منه ، وهو الخطاب وما يتعلق به ، لأن من أصول الفقه ، الكلام في أحكام
هامش
( 1 ) في الموافقات : 4 / 118 : الحديث .
( 2 ) وقد سماه : « إيضاح المحصول من برهان الأصول » وهو شرح ممتع في أجزاء عديدة على « برهان » إمام الحرمين ، وهو من أهم ما صنف في علم الأصول وأقدم ما شرح به هو تأليف المازري هذا ، ومنه أجزاء متفرقة في مكتبات تونس وغيرها . انظر : هذا التعليق في كتاب « الإمام المازري » لحسن حسني عبد الوهاب » ص : 62 .