تنبيه :
دخول [ الكبر ] « 1 » على حملة هذا العلم وإن كان لا يدل على الذم ، كما تقرر ، فسببه ما يكسب صاحبه من اعتقاد الفضيلة له ، وظهور المزية به ، على من كان عاريا منه ، وحق له ذلك ، لكن يجب عليه أن يظهر الشكر للّه تعالى ، ويتحلى بفضيلة التواضع ، ورؤية التقصير من وجوه لا تنحصر .
يحكى عن يحيى 10 و / / بن أكتم « 2 » أنه قال : « بينا أنا جالس مع المأمون إذ دخل فتى أبرع الناس زيا وهيئة ، ووقارا ، وهو لا يلتفت إعجابا بنفسه ، فنظر إليه المأمون فقال : يا يحيى ، إن هذا الفتى لا يخلو أن يكون هاشميا ، أو نحويا .
ثم بعثنا من يتعرف ذلك منه ، فعاد الرسول ، فأخبر أنه نحوي ، فقال المأمون :
يا يحيى : أعلمت أن علم النحو قد بلغ بأهله من عزة النفس ، وعلو الهمة ، منزلة بني هاشم في شرفهم ، يا يحيى : من قعد به نسبه رفعه أدبه » .
ويروى عن يونس « 3 » أنه كان يقول : كنا ننظر إلى الشاب يخطر في جامع البصرة بين السواري فنقول : إما أن يكون قرشيا أو نحويا .
والجواب عن الثاني من وجهين :
أحدهما : أن هذا النقل إن صح مخالف للإجماع المنعقد قبله على خلافه ، وفيما تقدم أوضح دليل عليه ، وسيأتي - إن شاء اللّه - ما يؤيده عند الكلام على حكم هذا العلم في نظر الشرع ، وأن السلف الصالح أمروا بوضعه ، وسنوا تعليمه عند حدوث السبب له ، وإذ ذاك فالنظر فيه ليس ببدعة ، بل هو سنة من سنن الخلفاء الراشدين لا تعارض بهذا النقل المسبوق بالإجماع على مبدأ ظهورها من ناحيتهم .
هامش
( 1 ) في « أ » : الكفر .
( 2 ) هو أبو محمد يحيى بن أكتم ( بالتاء المثناة والثاء المثلثة : لغتان في عظيم البطن ) بن محمد بن قطن التميمي المروزي . ت : 242 ه - 856 م . قاضي البصرة ثم بغداد عهد المأمون ، كما كان فقيها . انظر : تاريخ بغداد : 14 / 191 ، والوفيات : 6 / 147 - 165 .
( 3 ) يونس بن حبيب البصري أبو عبد الرحمن . ت : 183 ه - 779 م . من أكابر النحاة ، أخذ عنه سيبويه والكسائي . انظر : أخبار النحويين : 33 ، والنزهة : 49 ، والمزهر : 2 / 339 .