تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
قال أبو بكر رضي اللّه عنه : إنّا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأخذ لهم درهما ولا دينارا ، ولكن أكلنا من جريش « 1 » طعامهم ، ولبسنا من خشن ثيابهم ، وليس عندنا من فيئهم إلّا هذا الناضح ، وهذا العبد الحبشيّ ، وهذه القطيفة « 2 » فإذا قبضت فادفعوها إلى عمر . فلمّا قبض أرسلوها إليه ، فبكى حتى سالت دموعه ثم قال : رحم اللّه أبا بكر لقد أتعب من بعده . شأن الهمم العالية الإعراض عن الزخرف الحائل ، والإقبال على ما هو باق غير زائل . كان عمر بن عبد العزيز من أشدّ الناس تنعّما قبل الخلافة ، ولما ولي زهد في الدنيا . وخطب في جمعة فقوّمت ثيابه فلم تبلغ قيمتها ثلاثة دراهم . ويقال : من شهد من سوّاه زهد فيمن سواه ، ومن عرف الإله لم يألف إلّاه . قبل سعيد بن المسيّب مال السلطان من الخمس ولم يقبله الثّوري « 3 » ، وقال : أعلم أنه لي حلال ، ولكن أكره أن يقع لهم في قلبي مودّة . الحسن : لا يردّ جوائز الأمراء إلّا مراء أو أحمق . ونهى الثوري عن القرب من المنبر ، فقيل : أليس يقال : ادن واستمع ؟ قال : ذاك لأبي بكر وعمر والخلفاء ، وأمّا هؤلاء فتباعد عنهم ولا تستمع كلامهم ولا تر وجوههم . قال الفقيه : كنت أفتي بعدم أخذ الإجارة على تعليم القرآن وبحرمة دخول العلماء على السلاطين ، وبمنع العالم من الخروج إلى الرستاق « 4 » ، فرجعت عن الكلّ ، لضياع القرآن وحاجة الخلق ولجهل أهل الرستاق .
هامش
( 1 ) الجريش : ما طحنته من الحب والقمح غير ناعم . ( 2 ) الناضح : البعير يستقى عليه . والقطيفة : دثار مخمل يلقيه الرجل على نفسه . ( 3 ) سعيد بن المسيّب : سيد التّابعين ، وأحد الفقهاء السبعة في المدينة . « - 94 ه » . والثوري : سفيان بن سعيد ، أمير المؤمنين في الحديث . « - 161 ه » . ( 4 ) الرستاق : الأرياف ، وما يشبه المزارع والبيوت المجتمعة كالقرى وما إليها .