تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 546

مساهمون:

ص٥٤٦
إلى شجر ألمى الظّلال كأنّه * رواهب أحرمن الشّراب عذوب
وجعل اللّه اللّيل سكنا وجماما ، والنّهار للكسب والكدّ . والذي يدلّ على أنّ السّواد في وجه آخر مقرون بالشدّة والصّرامة ، والهيج والحركة ، انتشار الحيّات والعقارب وشدّة سمومها باللّيل ، وهيج السّباع واستكلابها باللّيل . وتحرّك الأوجاع وظهور الغيلان ، هذه كلّها بالليل . قال : وأشبهنا اللّيل من هذا الوجه . قالوا : وأبلغ ما تكون القائلة وأشفاها للنّفس ، وأسرع لمجيئها إذا أردتها ، وأبطأ لذهابها إذا كرهتها ، ما كان منها في الظّلمة ، عند إسببال السّتور وإغلاق الأبواب . قالوا : وليس لون أرسخ في جوهره وأثبت في حسنه من سواد . وقد جرى المثل في تبعيد الشيء : « لا ترى ذلك حتّى يبيّض القار ، وحتّى يشيب الغراب » . وهو العرض الملاء عند الحكماء . وأكرم العطر المسك والعنبر ، وهما أسودان . وأصلب الأحجار سودها . وقال أبو دهبل الجمحيّ يمدح الأزرق المخزوميّ ، وهو عبد اللّه بن عبد شمس بن المغيرة :
فإنّ شكرك عندي لا انقضاء له * ما دام بالجزع من لبنان جلمود أنت الممدح والمغلى به ثمنا * إذ لا يعاتب صخر الجندل السّود
والعرب تفخر بسواد اللّون . فإن قال : فعلام ذلك وهي تقول : فلان هجان ، وأزهر وأبيض ، وأغرّ ؟ قلنا : ليس تريد بهذا بياض الجلد ، إنّما تريد به كرم الجوهر ونقاءه . وقد فخرت خضر محارب بأنّها سود ، والسّود عند