تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨
الضّيم لا يليق بهم ؛ وأنّ الخمول لا يجوز عليهم ، وأنهم في المقام على من لا يعرف حقّهم ألوم ممّن منعهم حقّهم ، فلمّا صادفوا ملكا حكيما ، وبأقدار النّاس عليما ، لا يميل إلى [ سوء ] عادة ولا يجنح إلى هوى ، ولا يتعصّب لبلد على بلد ؛ يدور مع التدبير حيثما دار ، ويقيم مع الحقّ حيثما أقام ، أقاموا إقامة من قد فهم الحظّ ، ودان بالحقّ ونبذ العادة ، وآثر الحقيقة ، ورحل نفسه لقطيعة وطنه ، وآثر الإمامة على ملك الجبريّة ، واختار الصّواب على الإلف .

[ 16 - مقارنة الأمم ]

ثم اعلم بعد هذا كلّه أنّ كلّ أمة وقرن ، وكلّ جيل وبني أب وجدتهم قد برعوا في الصّناعات ، وفضلوا النّاس في البيان ، أو فاقوهم في الآداب ، وفي تأسيس الملك ، وفي البصر بالحرب ؛ فإنّك لا تجدهم في الغاية وفي أقصى النهاية ، إلّا أن يكون اللّه قد سخّرهم لذلك المعنى بالأسباب ، [ وقصرهم ] عليه بالعلل التي تقابل تلك الأمور ، وتصلح لتلك المعاين ؛ لأنّ من كان متقسّم الهوى ، مشترك الرّأي ، ومتشعّب النفس ، غير موفّر على ذلك الشّيء ولا مهيّأ له ، لم يحذق من تلك الأشياء [ شيئا ] بأسره ، ولم يبلغ فيه غايته ، كأهل الصين في الصناعات ، واليونانيّين في الحكم والآداب ، والعرب فيما نحن فيه ذاكروه في موضعه ، وآل ساسان في الملك ، والأتراك في الحروب . ألا ترى أنّ اليونانيين الذين نظروا في العلل لم يكونوا تجّارا ولا صنّاعا بأكفّهم ، ولا أصحاب زرع ولا فلاحة وبناء وغرس ، ولا أصحاب جمع ومنع ، وحرص وكدّ ، وكانت الملوك تفرّغهم ، وتجرى عليهم كفايتهم ، فنظروا حين نظروا بأنفس مجتمعة ، وقوّة وافرة ، وأذهان فارغة ، حتّى استخرجوا الآلات والأدوات ، والملاهي التي تكون جماما للنّفس ، وراحة بعد الكدّ ، وسرورا يداوي قرح الهموم ، فصنعوا من المرافق ، وصاغوا من المنافع كالقرصطونات ، والقبّانات ، والأسطرلابات ، وآلة الساعات ، والكالكونيا والكشيزان والبركار وكأصناف المزامير والمعازف ، وكالطبّ والحساب والهندسة واللّحون ، وآلات الحرب كالمجانيق ، والعرّادات ،
رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 508 | الجاحظ / علي أبو ملحم