وجمع الأتراك جلوس على ظهور خيولهم إلّا ثلاثة أو أربعة ، وجميع تلك الأخلاط من الجند قد رموا بنفوسهم إلى الأرض إلّا ثلاثة أو أربعة . فقلت لصاحب لي : انظر أيّ شيء اتّفق لنا . أشهد أنّ المعتصم كان أعرف بهم حين جمعهم واصطنعهم .
وأردت مرة القاطول - وهي المباركة - وأنا خارج من بغداد ، وأرى فوارس من أهل خراسان والأبناء وغيرهم من أصناف الجند ، قد عار لهم فرس ، وهم على خيل عتاق يريغونه فلا يقدرون على أخذه ، ومرّ تركيّ ولم يكن من ذوي هيئاتهم وذوي القدر منهم ، وهو على برذون له خسيس ، وهم على الخيول المطهّمة ، فاعترض الفرس اعتراضا ، وقتله قتلا وحيّا ؛ وأتاه من زجره بشيء ، فوقف أولئك الجند وصاروا نظّارة ، فقال بعضهم ممن كان يزري على ذلك التركيّ : هذا وأبيك التكلّف والتعرّض : أنّ فرسا قد أعجزهم وهم أسد البلاد ، وجاء هذا مع قصر قامته وضعف دابّته ، فطمع أن يأخذه . فما انقضى كلامه حتّى أقبل به ثمّ سلّمه إليهم ومضى لطلبته ، لم ينتظر ثناءهم ولا دعاءهم ، ولا أراهم أنّه قد صنع شيئا ، أو أتى إليهم معروفا .
والأتراك قوم لا يعرفون الملق ولا الخلابة ، ولا النّفاق ولا السّعاية ، ولا التصنّع ولا النّميمة ولا الرّياء ، ولا البذخ على الأولياء ، ولا البغي على الخلطاء ، ولا يعرفون البدع ، ولم تفسدهم الأهواء ، ولا يستحلّون الأموال على التأوّل ، وإنما كان عيبهم ، والذي يوحش منهم ، الحنين إلى الأوطان ، وحبّ التقلّب في البلدان ، والصّبابة بالغارات ، والشّغف بالنّهب ، وشدّة الإلف للعادة ، مع ما كانوا يتذاكرون من سرور الظفر وتتابعه ، وحلاوة المغنم وكثرته ، وملاعبهم في تلك الصّحاري ، وتردّدهم في تلك المروج ، وألّا يذهب بطول الفراغ فضل نجدتهم باطلا ، ويصير حدّهم على طول الأيام كليلا .
ومن حذق شيئا لم يصبر عنه ، ومن كره أمرا فرّ منه .
. . وإنّما خصّوا بالحنين من بين جميع العجم لأنّ في تركيبهم وأخلاط طبائعهم
رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 505
مساهمون: الجاحظ
ص٥٠٥