مرة واحدة ، فلا يزال بالشّمّ والاسترواح وحسن الاستدلال ، وبالطبيعة المخصوص بها حتّى يأتي مبركه ، على بعد ما بين عمان والبصرة .
فلذلك ضرب به قتيبة المثل .
والشّحّ على الوطن [ والحنين إليه ] ، والصّبابة به ، مذكورة في القرآن ، مخطوطة في [ الصّحف بين ] جميع الناس . غير أنّ التركيّ للعلل التي ذكرناها أشدّ حنينا وأكثر نزوعا .
وباب آخر ، ممّا كان يدعوهم إلى الرجوع قبل العزم الثابت ، والعادة المنقوضة : وذلك أنّ التّرك قوم يشتدّ عليهم الحصر [ والجثوم ] ، وطول اللّبث والمكث ، وقلّة التصرّف والتحرّك ، وأصل بنيتهم إنّما وضع على الحركة ، وليس للسكون فيها نصيب ، وفي قوى أنفسهم فضل على قوى أبدانهم ، وهم أصحاب توقّد وحرارة واشتعال وفطنة ، كثيرة خواطرهم ، سريع لحظهم ، وكانوا يرون الكفاية معجزة ، وطول المقام بلادة ، والراحة عقلة ، والقناعة من قصر الهمّة ؛ وأنّ ترك الغزو يورث الذّلّة .
وقد قالت العرب في مثل ذلك : قال عبد اللّه بن وهب الراسبيّ : « حب الهوينا يكسب النّصب » . والعرب تقول : « من غلا دماغه في الصّيف غلت قدره في الشّتاء » . وقال أكثم بن صيفيّ : « ما أحبّ أنّي مكفيّ كلّ أمر الدنيا » . قيل : ولم ؟ قال : « أخاف العجز » .
فهذه كانت علل التّرك في حبّ الرّجوع والحنين إلى الوطن .
ومن أعظم ما كان يدعوهم إلى الشّرود ويبعثهم على الرجوع ، ويكرّه عندهم المقام ، ما كانوا فيه من جهل قوّادهم بأقدارهم ، وقلّة معرفتهم بأخطارهم ، وإغفالهم موضع الرّد عليهم والانفتاع بهم ، حتّى جعلوهم أسوة أجنادهم ، ولم يقنعوا أن يكونوا في الحاشية والحشوة ، وفي غمار العامّة ومن عرض العساكر ، وأنفوا من ذلك لأنفسهم ، وذكروا ما يجب لهم ، ورأوا أنّ
رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 507
مساهمون: الجاحظ
ص٥٠٧