وحين بلغ أوس بن حجر صفة القانص ، وبلغ له الغاية في جمعه لأبواب الكفاية بنفسه ، قال :
قصيّ مبيت اللّيل للصّيد مطعم * لأسهمه غار وبار وراصف
وليس أنه ليس في الأرض تركيّ إلّا وهو كما وصفنا ، كما أنّه ليس كل يونانيّ حكيما ولا كل صينيّ غاية في الحذق ، ولا كلّ أعرابيّ شاعرا قائفا ، ولكنّ هذه الأمور في هؤلاء أعمّ وأتمّ ، وهي فيهم أظهر وأكثر .
قد قلنا في السبب الذي تكاملت به النّجدة والفروسيّة في التّرك دون جميع الأمم ، وفي العلل التي من أجلها انتظموا جميع معاني الحرب ، وهي معان تشتمل على مذاهب غريبة ، وخصال عجيبة .
فمنها : ما يقضى لأهله بالكرم وببعد الهمّة وطلب الغاية . ومنها : ما يدلّ على الأدب السّديد والرأي الأصيل ، والفطنة الثاقبة والبصيرة النافذة . [ ألا ترى أنّه ليس بدّ لصاحب الحرب من الحلم والعلم ، والحزم والعزم ، والصبر والكتمان ، ومن الثقافة ] ، وقلّة الغفلة وكثرة التجربة . ولا بدّ من البصر بالخيل والسلاح ، [ والخبرة ] بالرّجال وبالبلاد ، والعلم بالمكان والزّمان والمكايد ، وبما فيه صلاح هذه الأمور كلّها .
والملك يحتاج إلى أواخ شداد وأسباب متان ، ومن أتمّها سببا وأعمقها نفعا ما ثبّته في نصابه ، وأقرّه وسكّنه في قراره ، وزاد في تمكّنه وبهائه ، وقطع أسباب المطمعة فيه ، ومنع أيدي البغاة من الإشارة اليه فضلا عن البسط عليه .
قال : ثم إنّ التّرك عطفت على العرب بالمحاجّة والمقايسة ، وقالوا : قلتم إن تكن القرابة مما يستحقّ بالكفاية فنحن أقدم في الطّاعة والودّ والمناصحة ، وإن تكن تستحقّ بالقرابة فنحن أقرب قرابة .
قالوا : والعرب بعد هذا صنفان : عدنان وقحطان . فأمّا القحطانيّ فنسبتنا إلى الخلفاء أقرب من نسبتهم ، ونحن أمسّ بهم رحما ؛ لأن الخليفة من ولد