من تركيب بلدهم وتربيتهم ، ومشاكلة مياههم ومناسبة إخوانهم ، ما ليس مع أحد سواهم ، ألا ترى أنّك ترى البصريّ فلا تدري أبصريّ هو أم كوفيّ ، وترى المكّيّ فلا تدري أمكّيّ هو أم مدنيّ . وترى الجبليّ فلا تدري أجبليّ هو أم خراسانيّ ، وترى الجزريّ فلا تدري أجزريّ هو أم شاميّ . وأنت لا تغلط في التركيّ ، ولا تحتاج فيه إلى قيافة ولا إلى فراسة ، ولا إلى مساءلة . ونساؤهم كرجالهم ، ودوابّهم تركيّة مثلهم .
وهكذا طبع اللّه تلك البلدة ، وقسم لتلك التّربة . وجميع دور الدنيا ونشوّها إلى منتهى قواها ومدّة أجلها ، جارية على عللها ، وعلى مقدار أسبابها ، على قدر ما خصّها اللّه تعالى به وأبانها ، وجعل فيها . فإذا صاروا إلى دار الجزاء ، فهي كما قال اللّه تعالى :
إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً
.
وكذلك ترى أبناء العرب والأعراب الذين نزلوا خراسان ، لا تفصل بين من نزل أبوه بفرغانة وبين أهل فرغانة ، ولا ترى بينهم فرقا في السّبال الصّهب والجلود القشرة ، والأقفاء العظيمة ، والأكسية الفرغانية . وكذلك جميع تلك الأرباع ، لا تفصل بين أبناء النازلة وبين أبناء النّابتة .
ومحبّة الوطن شيء شامل لجميع الناس ، وغالب على جميع الجيرة . ولكن ذاك في التّرك أغلب ، وفيها أرسخ ؛ لما معها من خاصّة المشاكلة والمناسبة ، واستواء الشّبه ، وتكافي التركيب . ألا ترى أنّ العبديّ يقول : « عمّر اللّه البلدان بحبّ الأوطان » ، وأنّ ابن الزّبير قال : « ليس الناس بشيء من اقسامهم أقنع منهم بأوطانهم » ، وأنّ عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال :
« لولا تفرّق أهواء العباد لما عمّر اللّه البلاد » ، وأنّ جمعة الإياديّة قالت : « لولا ما أوصى اللّه به العباد من قفر البلاد ، لما وسعهم واد ولا كفاهم زاد » .
وذكر قتيبة بن مسلم التّرك فقال : « هم واللّه أحنّ من الإبل المعقّلة إلى أوطانها » ؛ لأنّ البعير يحنّ إلى وطنه وعطنه ، وهو بعمان ، من ظهر البصرة ، فهو يخبط كلّ شيء ويستبطن كلّ واد ، حتّى يأتي مكانه ؛ على أنّه طريق لم يسلكه إلّا