وكذلك التّرك أصحاب عمد وسكّان فياف وأرباب مواش ، وهم أعراب العجم كما أنّ هذيلا أكراد العرب . فحين لم تشغلهم الصّناعات والتّجارات ، والطّبّ والفلاحة والهندسة ؛ ولا غرس ولا بنيان ، ولا شقّ أنهار ، ولا جباية غلّات ، ولم يكن همّهم غير الغزو والغارة والصّيد وركوب الخيل ، ومقارعة الأبطال ، وطلب الغنائم وتدويخ البلدان ، وكانت هممهم إلى ذلك مصروفة وكانت لهذه المعاني والأسباب مسخّرة ومقصورة عليها ، وموصولة بها ، أحكموا ذلك الأمر بأسره ، وأتوا على آخره ، و ] صار ذلك هو صناعتهم وتجارتهم ، [ ولذّتهم ] وفخرهم ، وحديثهم وسمرهم .
فلمّا كانوا كذلك صاروا في الحرب كاليونانيين في الحكمة ، وأهل الصّين في الصناعات ، والأعراب فيما عددنا ونزّلنا ، وكآل ساسان في الملك والرئاسة .
ومما يستدلّ به على أنّهم قد استقصوا هذا الباب واستغرقوه ، وبلغوا أقصى غايته وتعرّفوه ، أنّ السّيف إلى أن يتقلّده متقلّد ، أو يضرب به ضارب ، قد مرّ على أيد كثيرة ، وعلى طبقات من الصّنّاع ، كلّ واحد منهم لا يعمل عمل صاحبه ، ولا يحسنه ولا يدّعيه ولا يتكلّفه ، لأنّ الذي يذيب حديد السّيف ويطبعه ، ويصفّيه ويهذّبه ، غير الذي يمدّه ويمطله ؛ والذي يمدّه ويمطله غير الذي يطبعه ويسوّي متنه ، ويقيم خشيبته ؛ والذي يطبعه ويسوّي متنه غير الذي يسقيه ويرهفه ، والذي يرهفه غير الذي ي يركّب قبيعته ويستوثق من سيلانه ، والذي يعمل مسامير السّيلان و [ شاربي ] القبيعة ونصل السيف غير الذي ينحت خشب غمده ، والذي ينحت خشب غمده غير الذي يدبغ جلده ، والذي يدبغ جلده غير الذي يحلّيه ، والذي يحلّيه ويركّب نعله غير الذي يخرز حمائله .
وكذلك السّرج ، وحالات السّهم والجعبة والرّمح وجميع السلاح ، مما هو جارح أو جنّة .
والتركيّ يعمل هذا كلّه لنفسه من ابتدائه إلى غايته ، فلا يستعين برفيق ، ولا يفزع فيه إلى صديق ، ولا يختلف إلى صانع ، ولا يشغل قلبه بمطاله وتسويفه ، وأكاذيب مواعيده ، وبغرم كرائه .
رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 510
مساهمون: الجاحظ
ص٥١٠