تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 494

مساهمون:

ص٤٩٤
الشّدّة عند أوّل وهلة ، وهي الدّفعة التي يبلغون بها ما أرادوا ، وينالون الذي أمّلوا . والثانية : الصّبر على الخبب وعلى طول السّرى ، حتّى يصبح القوم [ الذين مرقوا بهم ] غارّين فيهجموا عليهم وهم بسوء ، ولحم على وضم ، يتعجّلونهم عن الرّويّة ، وعن ردّ النفس عن النّزوة والجولة ؛ لا يظنّون أنّ أحدا يقطع في ذلك المقدار من الزّمان ذلك المقدار من البلاد . والثالثة : أنّ الخارجيّ موصوف عند الناس بأنّه إن طلب أدرك ، وإن طلب فات . والرابعة : خفّة الأزواد وقلّة الأمتعة ، وأنّها تجنب الخيل وتركب البغال ، وإن احتاجت أمست بأرض وأصبحت بأخرى ، وأنّهم قوم حين خرجوا لم يخلّفوا الأموال الكثيرة ، والجنان الملتفّة ، والدّور المشيّدة ، ولا ضياعا ولا مستغلّات ، ولا جواري مطهّمات ، و [ أنهم ] لا سلب لهم ولا مال معهم فيرغب الجند في لقائهم ، وإنّما هم كالطّير لا تدّخر ولا تهتمّ لغد ، ولها في كلّ أرض من المياه والأقوات ما تتبلّغ به ، وإن لم تجد ذلك في بعض البلاد فأجنحتها تقرّب لها البعيد ، وتسهّل لها الحزون . وكذلك الخوارج لا يمتنع عليهم القرى والمطعم ، وإن تمنّع عليهم ففي بنات شحّاج وبنات صهّال ، وخفّة الأثقال على طول الخبب ، ما يسهّل أقواتها ، ويكثّر من أرزاقها . والخامسة : أن الملوك إن أرسلوا إليهم اعدادهم ليكونوا في خفّة أوزارهم وأثقالهم ، وليقووا على التنقّل كقوّتهم ، لم يقووا عليهم ؛ لأن مائة من الجند لا يقومون لمائة من الخوارج ؛ وإن كثّفوا الجيش بالجيش ، وضاعفوا العدد [ بالعدد ] ثقلوا عن طلبهم ، وعن الفوت إن طلبهم عدوّهم . ومتى شاء الخارجيّ أن يقرب منهم ليتطرّفهم أو ليصيب الغرّة منهم ، أو ليسلبهم ، فعل ذلك ثقة بأنّه يغنم عند الفرصة ورؤية العورة ، ويمكنه الهرب عند