تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 491

مساهمون:

ص٤٩١

[ 12 - موضوع الكتاب ]

هذا كتاب كنت كتبته أيّام المعتصم باللّه ، رضي اللّه عنه ، فلم يصل إليه ، لأسباب يطول شرحها ، فلذلك لم أعرض للإخبار عنها . وأحببت أن يكون كتابا قصدا ، ومذهبا عدلا ، ولا يكون كتاب إسراف في مديح قوم ، وإغراق في هجاء آخرين ، وإن كان الكتاب كذلك شابه الكذب ، وخالطه التزيّد ، وبنى أساسه على التكلّف ، وخرج كلامه مخرج الاستكراه والتّدليق . وأنفع المدائح للمادح وأجداها على الممدوح ، وأبقاها أثرا وأحسنها ذكرا : أن يكون المديح صدقا ، وللظّاهر من حال الممدوح موافقا ، وبه لائقا ، حتّى لا يكون من المعبّر عنه والواصف [ له ] إلّا الإشارة اليه ، والتنبيه عليه . وأنا أقول : إن كان لا يمكن ذلك في مناقب الأتراك إلّا بذكر مثالب سائر الأجناد ، فترك ذكر الجميع أصوب ، والاضراب عن [ هذا الكتاب أحزم ، وذكر الكثير من ] هذه الأصناف بالجميل ، لا يقوم بالقليل من ذكر بعضهم بالقبيح ، لأنّ ذكر الأكثر بالجميل نافلة ، وباب من التطوّع ، وذكر الأقلّ بالقبيح معصية ، وباب من ترك الواجب . وقليل الفريضة أجدى علينا من كثير التطوّع . ولكلّ نصيب من المساوئ ومقدار من الذّنوب ؛ وإنّما يتفاضل الناس بكثرة المحاسن وقلّة المساوي . فأمّا الاشتمال على جميع المحاسن ، والسّلامة من جميع المساوي دقيقها وجليلها ، وظاهرها وخفيّها ، فهذا لا يعرف . وقد قال النابغة :
ولست بمستبق أخا لا تلمّه * على شعث ، أيّ الرّجال المهذّب
وقال حريش السّعدي :