قال : وهم علّموا الفرسان حمل قوسين وثلاثة قسيّ ، ومن الأوتار على حسب ذلك .
قال : والتركيّ في حال شدّته ، معه كلّ شيء يحتاج اليه لنفسه وسلاحه ودابّته وأداة دابّته . فأمّا الصّبر على الخبب وعلى مواصلة السّفر ، وعلى طول السّرى وقطع البلاغ ، فعجيب جدا .
فواحدا : أنّ فرس الخارجيّ لا يصبر صبر برذون التّركي .
والخارجيّ لا يحسن أن يعالج فرسه إلّا معالجة الفرسان لخيولهم والتّركي أحذق من البيطار ، وأجود تقويما لبرذونه على ما يريده من الرّاضة [ وهو استنتجه ] ، وهو ربّاه فلوا ، وتتّبعه إن سماه ، وإن ركض ركض خلفه . وقد عوّده ذلك حتّى عرفه ، كما يعرف الفرس أقدم ، والنّاقة حل ، والجمل جاه ، والبغل عدس ، والحمار ساسا ، وكما يعرف المجنون لقبه والصبيّ اسمه .
ولو حصّلت عمر التركيّ وحسبت أيامه لوجدت جلوسه على ظهر دابّته أكثر من جلوسه على ظهر الأرض . والتركيّ يركب فحلا أو رمكة ، ويخرج غازيا أو مسافرا ، أو متباعدا في طلب صيد ، أو سبب من الأسباب ، فتتبعه الرّمكة وأفلاؤها ، إن أعياه اصطياد الناس اصطاد الوحش ، وإن أخفق منها أو احتاج إلى طعام فصد دابّة من دوابّه ، وإن عطش حلب رمكة من رماكه ، وإن أراح واحدة تحته ركب أخرى من غير أن ينزل إلى الأرض . وليس في الأرض أحد إلّا وبدنه ينتقض على اقتيات اللّحم وحده غيره ؛ وكذلك دابّته تكتفي بالعنقر والعشب والشّجر ، لا يظلّها من شمس ولا يكنّها من برد .
قال : وأما الصّبر على الخبب فإنّ الثّغريّين ، والفرانقيّين ، والخصيان والخوارج ، لو اجتمعت قواهم في شخص واحد لما وفوا بتركيّ واحد .
والتركيّ لا يبقى معه على طول الغاية إلّا الصّميم من دوابّه . [ و ] الذي يقتله التركيّ بإتعابه له ، وبنفيه عند غزاته ، هو الذي لا يصبر معه فرس
رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 497
مساهمون: الجاحظ
ص٤٩٧