تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 490

مساهمون:

ص٤٩٠
وإذا كان الأمر على ما وصفنا فالبنويّ خراسانيّ . وإذا كان الخرسانيّ مولى ، والمولى عربيّ - فقد صار الخرسانيّ والبنويّ والمولى والعربيّ واحدا . وأدنى ذلك أن يكون الذي معهم من خصال الوفاق غامرا ما معهم من خصال الخلاف ، بل هم في معظم الأمر وفي كبر الشّأن وعمود النّسب متّفقون . والأتراك خراسانية وموالي الخلفاء قصرة ، فقد صار التركيّ إلى الجميع راجعا ، وصار شرفه إلى شرفهم زائدا . وإذا عرف سائر ذلك سامحت النّفوس ، وذهب التّعقيد ، ومات الضّغن ، وانقطع سبب الاستثقال ؛ فلم يبق إلّا التحاسد والتّنافس الذي لا يزال يكون بين المتقاربين في القرابة وفي المجاورة . على أنّ التّوازر والتسالم في الرابات وفي بني الأعمام والعشائر ، أفشى وأعمّ من البعداء . ولخوف التّخاذل ولحبّ التناصر ، والحاجة إلى التّعاون - انضمّ بعض القبائل في البوادي إلى بعض ، ينزلون معا ويظعنون معا . ومن فارق أصحابه أقلّ ، [ و ] من نصر ابن عمّه أثر . ومن اغتبط بنعمته وتمنّى بقاءها والزيادة فيها أكثر ممّن بغاها الغوائل ، وطلب انقطاعها وزوالها . ولا بدّ في أضعاف ذلك من بعض التّنافس والتخاذل ، إلّا أنّ ذلك قليل من كثير . وليس يجوز أن تصفو الدّنيا وتنقى من الفساد والمكروه حتّى يموت جميع الخلائق ، وتستوي لأهلها ، وتتمهّد لسكّانها على ما يشتهون ويهوون ؛ لأن ذلك من صفة دار الجزاء ، وليس كذلك صفة دار العمل .