تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 487

مساهمون:

ص٤٨٧
الاستدلالات ، نستعمل هذه المعارضة بمناقب الأتراك ، والموازنة بين خصالهم وخصال كلّ صنف من هذه الأصناف ، سلكنا في هذا الكتاب سبيل أصحاب الخصومات في كتبهم ، وطريق أصحاب الأهواء في الاختلاف الذي بينهم . وكتابنا هذا إنّما تكلّفناه لنؤلّف بين قلوبهم التي كانت مختلفة ، ولنزيد الألفة إن كانت مؤتلفة ، ولنخبر عن اتّفاق أسبابهم لتجتمع كلمتهم ، ولتسلم صدورهم ، وليعرف من كان لا يعرف منهم موضع التفاوت في النسب ، وكم مقدار الخلاف في الحسب ، فلا يغيّر بعضهم مغيّر ، ولا يفسده عدوّ بأباطيل مموّهة وشبها مزوّرة ؛ فإنّ المنافق العليم ، والعدوّ ذا الكيد العظيم ، قد يصوّر لهم الباطل في صورة الحقّ ، ويلبس الإضاعة ثياب الحزم . إلا أنّا على حال سنذكر جملا من أحاديث رويناها ووعيناها ، وأمور رأيناها وشاهدناها ، وفضائل تلقّفناها من أفواه الرجال وسمعناها . وسنذكر جميع ما في هذه الأصناف من الآلات والأدوات ، ثم ننظر أيّهم لها أشدّ استعمالا ، وبها أشدّ استقلالا ، ومن أثقب كيسا وأفتح عينا وأذكى يقينا ، وابعد غورا وأجمع أمرا ، وأعمّ خواطر وأكثر غرائب ، وأبدع طريقا ، وأدوم نفعا في الحروب ؛ وأضرى وأدرب دربة ، وأغمض مكيدة ، وأشدّ احتراسا وألطف احتيالا ؛ حتّى يكون الخيار في يد الناظر المتصفّح لمعانيه ، والمقلّب لوجوهه ، والمفكّر في أبوابه ، والمقابل بين أوّله وآخره ، فلا نكون نحن انتحلنا شيئا دون شيء ، وتقلّدنا تفضيل بعض على بعض ، بل [ لعلّنا أن لا ] نخبر عن خاصّة ما عندنا بحرف واحد . فإذا دبّرنا كتابنا هذا التدبير ، وكان موضوعه على هذه الصّفة ، كان أبعد له من مذاهب الجدال والمراء ، واستعمال الهوى . وقد ظنّ ناس أنّ أسماء أصناف الأجناس كما اختلفت في الصّورة والخطّ والهجاء ، أن حقائقها ومعانيها على حسب ذلك . وليس الأمر على حسب ما توهّمه ؛ ألا ترى أنّ اسم الشّاكريّة وإن خالف في الصّورة والهجاء اسم