تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠

[ 8 - معاوية يلجأ إلى الترغيب بالمال والتولية على عكس علي ]

والجملة أنّ رجالات العرب ورؤساء الأعراب وكثيرا من أهل البأس والنجدة والرئاسة في المشيرة كان سوء معاويّة ومعاملته أحبّ إليهم من سوء عليّ ابن أبي طالب ومعاملته ، لأنّ القوم ، لمّا ثبت عندهم من إطعام خراج مصر عمرو بن العاص ما ثبت ، ومن ضمانه لذي الكلاع سميفع بن ناكور ما ضمن ، ولحبيب بن مسلمة ما قد علمت ، ورأوا ما صنع عليّ بيزيد بن حجبة وسمعوا ردّ جوابه على من سأله أن يزيد في عطاء الحسن والحسين وكيف قال ، ورأوا مع ذلك شدّته على الخائن وقمعه للظالم وأنّ الرجال أنّما تحظى عنده على قدر الزهد والفقه وعلى قدر الوفاء والنجدة وعلى قدر العلم بالكتاب والسنّة ، لم يكن لهم همّ إلّا التخلّص إلى معاوية وإلّا أن يصيروا إلى من يرتع ويرتعون معه ويأخذ ويأخذون معه ويذهب مذهب التودّد والتحبّب والتألف ويدع مذهب الإمامة وإقامة جزاء الحسنة والسيّئة ؛ وقد قال خالد ابن المعمّر لعلياء بن الهيثم : « اتّق اللّه في عشيرتك وانظر لنفسك ورحمك ، ما يؤمل عند رجل أردتّه على أن يزيد في عطاء الحسن والحسين دريهمات يسيرة ريثما يبلان بها من طريف عيشهما ، فأبى وغضب ؟ » .

[ 9 - حيلة المصاحف تنطلي على الناس ]

فكلّ ما ذكرنا ممّا اتّفق له من غير اكتساب وتهيأ له من غير احتيال ، فغير مكره - حفظك اللّه - معاوية على ما اتفق له ولا ملوم عليّ ابن أبي طالب على ما امتحن به فيهم ؛ فعلى هذه العقدة دار الكلام ؛ ثمّ اتفق له الخلاف الذي كان عن رفع المصاحف والانتشار الذي حدث عن ذلك التدبير والحيلة ؛ فانظر هل ألفي عليّ عندها عاقلا أو صادف بها عزيزا ؟ ولقد قال ثمّ أعاد القول ثمّ احتجّ وعرف وزجر وتوعّد وقال : « ويحكم ! إنّها خدعة ومكيدة ، وإنّها بعد دليل على الفشل وعلى انقطاع القوّة ؛ فانتهزوا هذه الفرصة فقد دلّكم بها على موضع
رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 350 | الجاحظ / علي أبو ملحم