تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
ولا صحّت يوما قطّ إلّا على خلاف هذه الحال . وممّا تهيّا له من الأسباب واتّفق له من العلل ما كان ظاهرا من رأي سعد وابن عمر في تحريم البسط والأمر بالكفّ والنهي عن حمل السلاح والإمكان من الحربة : فاجتمع له السبب الذي به يوهم موضع دم عثمان ؛ فانّ سعدا ، وإن كان بقيّة الشورى ، فانّ الحق لا يغريه وإنّ الباطل لا يضل به ؛ وعلى هذين الأصلين دار [ . . . . . . . . . . ] الطمع منه فيها واستجاز الطلب لها والحرص عليها . ثمّ اتّفق أنّ جنده يمانية إلّا القليل ، وجند عليّ نزاريّة إلّا القليل ؛ واتّفق أن كان أهل العراق أصحاب الخواطر والنظر والتأويل والقياس ، ومع هذه الصفة يكون الاختلاف إذ كانوا عربا وأعرابا وعهدهم بالجاهليّة قريب وتعظيم الرؤساء فيهم غير قديم ؛ وأهل الشام هم في قلّة الخواطر والتنقير وفي قلّة الفطنة والتفتيش على خلاف ذلك ؛ وكانوا ملوكا وأجناد ملوك أو قرابين ملوك ، لا يعرفون إلّا طاعة الملوك والكبراء واتّباع الرؤساء ؛ وقد علمت أنه متى أطاع الجند الرئيس والرئيس يصيب الرأي ، فكلّهم رئيس وكلّهم مصيب ومع الإنصاف تجتمع القوّة ويقوى الضعيف ، ومع الاختلاف ينتثر الأمر وتنكبت القوّة ؛ وقيل لرجل من عبس : « كيف نهضتم بالعمائر الكبار على الألوف ؟ » - قال : « كان لنا رئيس يصيب الرأي وكنّا له تبعا فكنّا ألف رئيس » . وجند عليّ بن أبي طالب من ربيعة ومضر ، وهم كانوا أصحاب التحارب في الجاهلية والتجاذب ، وفيهم كان التحالف والتجاور ، وهم كانوا أصحاب الغزو والغارات والسبي وطلب الطوائل ، وأكثرهم أصحاب وبر وعمد وصحار ، وأقلّهم أصحاب المدر والمحالّ ، وأكثرهم أصحاب الحذر والنجعة والفقه والمواثبة [ ؟ ] ؛ ومع الحاجة يكون الطلب والحركة ومع الغناء والخصب يكون الحلم والمروّة والتثاقل عن الحركة ؛ حتى كان رؤساؤهم يخرجون في الحروب والمغازي متسايرين ، لكل رأس لواء ولكل سيّد معسكر ؛ وما زال أصحاب التجارب