فاجهل جهدك ثم أجهد جهدك ، ولا أبقى اللّه عليك إن أبقيت ، ولا عفا عنك إن عفوت ، وأقول كما قال أخو بني منقر :
فما بقيا عليّ تركتماني * ولكن خفتما صرد النّبال
واللّه لئن رميتني ببجيلة لأرمينك بكنانة ، ولئن نهضت بصالح بن علي لأنهضن بأحمد بن خلف وبإسماعيل بن علي ، ولئن صلت عليّ بسليمان بن وهب لأدمغنك بالحسن بن وهب ، ولئن تهت علي بمنادمة جعفر الخياط لآتيهن عليك بحسنة وهب الدلال ! وأنا أرى لك أن تقبل العافية وترغب إلى اللّه تعالى في طول السلامة ، واحذر البغي فان مصرعه وخيم ، واتق الظلم فان مرعاه وبيل ، وإياك أن نتعرض لجرير إذا هجا ، وللفرزدق إذا فخر ، ولهرثمة إذا دبر ولقيس بن زهير إذا مكر ، وللأغلب إذا كر . ولطاهر إذا صال ، ومن عرف قدره عرف قدر خصمه ، ومن جهل قدر نفسه لم يعرف قدر غيره .
وقد رعيت لك حق نبيذك وحسن شرابك وإن كان فوق العيوق ودونه بيض الأنوق ، وحق توتيائك وإن بعثت به ممزوجا فكيف لو بعثت به خالصا .
وعليك بالجد فإنه خير لك ، ودع البيات فإنه أمثل بك ، فأنت واللّه يا أخي تعلم علم الاضطرار وعلم الاختيار وعلم الإخبار أني أشد منك عقلا ، وأظهر منك حزما وألطف كيدا ، وأكثر علما ، وأوزن حلما وأخف روحا ، وأكرم عينا ، وأقل غشا ، وأجل قدا وأبعد غورا ، وأجمل وجها ، وأنصع ظرفا ، وأكثر ملحا ، وأنطق لسانا ، وأحسن بيانا وأجهر جهارة ، وأحسن إشارة . وأنت رجل تشدو من العلم وتنتف من الأخبار ، وتموه نفسك ، وتغر من قدرك ، وتتهيأ بالثياب ، وتتنبل بالمراكب ، وتتحبب بحسن اللقاء . ليس عندك إلا ذلك . فلم تزاحم البحار بالجداول ، والأجسام بالأعراض ، وما لا يتناهى بالجزء الذي لا يتجزأ . . ! ؟