وهزال ونشيط . وقد مزح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ولا يقال كان فيه مزاح ، وكذلك لا يقال مزّاح . وكذلك الأئمة ومن هزل في بعض الحالات من أهل الحلم والوقار . فما روي عنه صلى اللّه عليه وسلم قوله : « يا أبا عمير ما فعل النّغير » وقوله : « لا تدخل الجنة عجوز » وقوله : « زوجك الذي في عينيه بياض » وقد كان علي رضي اللّه عنه يمزح . وقال عمر : إنا إذا خلونا كنا كأحدكم . وقد كان عمر عبوسا قطوبا . وقد كان زياد مع كلوحه وقطوبه يمازح أهله في الخلا كما يجد في الملا . وكان الحجاج مع عتوه وطغيانه وتمرده وشدة سلطانه يمازح أزواجه ويرقص صبيانه . وقال له قائل : أيمازح الأمير أهله ؟ فقال : واللّه إن تروني إلا شيطانا ، واللّه لربما رأيتني وإني أقبل رجل إحداهن ! فقد ذكرنا خير العالمين وجلة من خيار المسلمين وجبارا عنيدا وكافرا لعينا .
وبعد ، فمن حرم المزاح وهو شعبة من شعب السهولة وفرع من فروع الطلاقة ! وقد أتانا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالحنيفية السمحة ولم يأتنا بالانقباض والقسوة وقد أمرنا بافشاء السلام وبالبشر عند التلاقي وأمرنا بالتوادد والتصافح والتهادي . قالوا : وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يضحك تبسما . وقالوا : كان لا يستغرق ضحكا . وقال : « دففوا على صاحبكم » .
وقال : « هذه أيام أكل وشرب وتعلل » وسمع جواري تضرب الكبر عند عائشة فلم ينكره وضحك في قيافة مجزز المدلجي ومن الاعرابي صاحب الدجال .
قد اعتذرنا من معصيتك والخلاف على محبتك مرة بالمزح ومرة بالنسيان ومرة بالاتكال على عفوك وعلى ما هو أولى بك . على اني لم أرد بمزاحك الا ضحك سنك ، انظر هل هرمت إلا في طاعتك ، وهل أخلقني إلا معاناة خدمتك ؟ وفي الجملة إنا لو تعمدنا ثم أصررنا ثم أنكرنا لكان في فضلك ما يتغمدنا ، وفي كرمك ما يوجب التغافل عنا . فكيف وإنما سهونا ثم تذكرنا ثم اعتذرنا ثم أطنبنا ، فإن تقبل فحظك أصبت ولنفسك نظرت ، وإن لم تقبل
رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 469
مساهمون: الجاحظ
ص٤٦٩