تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 467

مساهمون:

ص٤٦٧
المزاح إلى مذاهب متضادة ، وسلكوا منه في طرق مختلفة . فزعم بعضهم أن جميع المزاح خير من جميع الجد . وزعم آخرون أن الخير والشر عليهما مقسومان ، وأن الحمد والذم بينهما نصفان . وسنأتي على هذه الأقاويل ثم نذكر ما نقول إن شاء اللّه . فأما المحامي على الهزل والمفضل للمزح فإنه قال : أول ما أذكر من خصال الهزل ومن فضائل المزح أنه دليل على حسن الحال وفراغ البال ، وأن الجد لا يكون إلا من فضل الحاجة ، والمزح لا يكون إلا من فضل الغنى . وأن الجد غضب والمزح جمام . والجد مبغضة والمزح محبة . وصاحب الجد في بلاء ما كان فيه وصاحب المزح في رخاء إلى أن يخرج منه . والجد مؤلم وربما عرضك لأشد منه ، والمزح ملذ وربما عرضك لألذ منه . والجد مألم التعريض للخير والشر ، وباينه بتعجيل الخير دون الشر . وإنما تشاغل الناس ليفرغوا ، وجدوا ليهزلوا ، كما تذللوا ليعزوا وكدوا ليستريحوا . وإن كان المزاح إنما صار معيبا ، والهزل إنما صار مذموما لأن صاحبه لا يكون معرضا لمجاوزة القدر ومخاطرا بمودة الصديق . فالجد داعية إلى الإفراط كما أن المزاح داعية إلى مجاوزة القدر . والتجاوز للحد قاطع بين القرينين في جميع النوعين . فقد ساواه المزاح فيما هو له وباينه فيما ليس له . وإن كان المزح قبيحا لأنه يورث الجد ، فأقبح من المزح ما صير المزح قبيحا ، لأن الذي يكون بعده الجد ، ولم يصير الجد قبيحا لأن الذي بعده المزح ، كان الجد في هذا الوزن أقبح من المزح ، وكان المزح على هذا التقدير أحسن من الجد ، لأن ما جعل الشيء قبيحا أقبح من الشيء ، كما أن ما جعل الشيء حسنا أحسن من الشيء . وأما الذي عدل بينهما فإنه زعم أن المزح في موضعه كالجد في موضعه ، كما أن المنع في حقه كالبذل في حقه . قال : ولكل شيء موضع
رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 467 | الجاحظ / علي أبو ملحم