تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 462

مساهمون:

ص٤٦٢
في الأرض حليم سواك ، وهل أظلت الخضراء ذا لهجة أصدق منك ، وهل حملت النساء أجل منك !

[ 21 - جمال أحمد بن عبد الوهاب المعكوس ]

ولربما رأيت الرجل حسنا جميلا وحلوا مليحا وعتيقا رشيقا وفخما نبيلا ثم لا يكون موزون الأعضاء ولا مقدور الأجزاء ، وقد تكون أيضا الأقدار متساوية غير متقاربة ولا متفاوتة ، ويكون قصدا ومقدارا عدلا ، وإن كانت هناك دقائق خفية لا يراها إلا الألمعي ، ولطائف غامضة لا يعرفها إلا الذكي . فأما الوزن المحقق والتعديل المصحح والتركيب الذي لا يفضحه التفرس ولا يحصره التعنت ولا يتعلل جاذبه ولا يطمع في التمويه ناعته ، فهو الذي خصصت به دون الأنام ودام لك على الأيام . كذا الحسن إذا كان حرا مرسلا وعتيقا مطبقا لا يتحكم عليه الدهر ولا يذيله الزمان ولا يحتاج إلى تعليق التمائم ولا إلى الصون والسكن ولا إلى المناقش والكحل ، ولو لم يكن لحسن وجهك إلا أنه قد سهل في العيون تسهيلا وحبب إلى القلوب تحبيبا وقرب إلى النفوس تقريبا ، حتى امتزج بالأرواح وخالط الدماء وجرى في العروق وتمشى في العظم بحيث لا يبلغه السم ولا الوهم ولا السرور الشديد ولا الشراب الرقيق ، لكان في ذلك المزية الظاهرة والفضيلة البينة . ولو لم يكن لك إلا أنا لا نستطيع أن نقول في الجملة وعند الوصف والمدحة : هو أحسن من القمر وأضوأ من الشمس وأبهى من الغيث ، ولهو أحسن من يوم الحلبة ، وأنا لا نستطيع أن نقول في التفاريق ؛ كأن عنقه إبريق فضة ، وكأن قدمه لسان حية ، وكأن وجهه ماوية ، وكأن بطنه قبطية ، وكأن ساقه بردية ، وكأن لسانه ورقة ، وكأن أنفه حد سيف ، وكأن حاجبه خط بقلم ، وكأن لونه الذهب ، وكأن عوارضه البرد وكأن فاه خاتم ، وكأن جبينه هلال ، ولهو أطهر من الماء