والسناء ، وصرت كمن يشفي غيظا أو يداوي حقدا أو يظهر القدرة أو يجب أن يذكر بالصولة . ولم نجدهم أبقاك اللّه يحمدون القدرة إلا عند استعمالها في الخير ، ولا يذمون العجز إلا لما يفوت به من إتيان الجميل . وأنى لك بالعقاب وأنت خير كلك ، ومن أين اعتراك المنع وأنت أنهجت الجود لأهله ، وهل عندك إلا ما في طبعك ، وكيف لك بخلاف عادتك ، ولم تستكره نفسك على المكافأة وطباعها الصفح ، ولم تكدّها بالمنافسة ومذهبها المسامحة ؟ ! فسبحان من جعل أخلاقك وفق أعراقك وقولك وفق عملك ، ومن جعل ظنك أكثر من يقيننا ، وفراستك أثبت من عياننا ، وعفوك أرجح من جهدنا ، وبداهتك أجود من تفكرنا ، وفعلك أرفع من وصفنا ، وغيبتك أهيب من حضور السادة ، وعتبك أشد من عقاب الظلمة . وسبحان من جعلك تعفو عن المتعمد ، وتتجافى عن عقاب المصرّ ، وتتغافل عن المبادئ ، وتصفح عن المتهاون ، حتى إذا صرت إلى من ذنبه نسيان وتوبته إخلاص وهفوته بكر وشفيعه الحرمة ، ومن لا يعرف الشكر إلا لك ، ولا الأنعام إلا منك ، ولا العلم إلا من تأديبك ، ولا الأخلاق إلا من تقويمك ، لم يقصر في بعض طاعتك إلا لما رأى من احتمالك ، ولا نسي بعض ما يجب لك إلا لما داخله من تعظيمك ، صرت تتوعد بالصرم وهو دليل كل بلية ، وتستعمل الإعراض وهو قائد كل هلكة . وقد علمت أن عتابك أشد من الصريمة ، وأن تأنيبك أغلظ من العقوبة ، وأن منعك إذا منعت في وزن إعطائك إذا أعطيت ، وأن عقابك على حسب ثوابك ، وأن جزعي من حرمانك في وزن سروري بفوائدك ، وأن شين غضبك كزين رضاك ، وأن موت ذكري بانقطاع سببي منك كحياة ذكري مع اتصال سببي بك ، وما لي اليوم عمل أنا إليه أسكن ولا شفيع أنا به أوثق من شدة جزعي من عتبك وإفراط هلعي من خوفك ، ولست ممن إذا جاد بالصفح ومنّ بالعفو لم يكن لصاحبه منه إلا السلامة وإلا النجاة من الهلكة ، بل تشفع ذلك بالمراتب الرفيعة والعطايا الجزيلة والعز في العشيرة
رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 459
مساهمون: الجاحظ
ص٤٥٩