تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 460

مساهمون:

ص٤٦٠
والهيبة في الخاصة والعامة ، مع طيب الذكر وشرف العقب ومحبة الناس .

[ 19 - محاسن المزاح ]

وأما ذكري القد والخرط والطول والعرض وما بيننا وبينك في ذلك من التنازع والتشاجر والتحاكم والتنافر ، فإن الكلام قد يكون في لفظ الجد ومعناه معنى الهزل ، كما يكون في لفظ الهزل ومعناه معنى الجد . ولو استعمل الناس الدّعابة في كل حال والجد في كل مقال وتركوا التسمح والتسهيل وعقدوا في كل دقيق وجليل لكان السفه صراحا خيرا لهم ، والباطل محضا أردّ عليهم . ولكن لكل شيء قدر ولكل حال شكل . فالضحك في موضعه كالبكاء في موضعه . والتبسم في موضعه كالقطوب في موضعه ، وكذلك المنع والبذل والعقاب والعفو وجميع القبض والبسط . فإن ذممنا المزاح ففيه لعمري ما يذم ، وإن حمدناه ففيه ما يحمد . وفصل ما بينه وبين الجد أن الخطأ إلى المزاح أسرع وحاله بحال السخف أشبه ، فأما أن يذم حتى يكون كالظلم وينفى حتى يصير كالغدر ، فلا لأن المزاح مما يكون مرة قبيحا ومرة حسنا ، والظلم لا يكون مرة قبيحا ومرة حسنا .

[ 20 - مديح أحمد بن عبد الوهاب الساخر ]

فإذا ملنا إلى الجد ورغبنا عن الهزل وتركنا المزاح وجلسنا للحكمة فقد أغناك اللّه عن الحجة كما سلمك من الشبهة ، ولم يكلفك الاحتجاج كما رغب بك عن الاعتلال ، فأصبحت لا محتجا ولا محجوجا ، ولا غفلا ولا موسوما ولا ملوما ولا معذورا ، ولا فيك اختلاف ولا بك حاجة إلى ائتلاف ، وليس مع العيان وحشة ولا مع الضرورة وجمة ولا دون اليقين وقفة . وهل في تمامك