تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
بمدحك ، ولا فتاة إلا وتشكو تباريح حبك ، ولا محجوبة إلا وهي تثقب الخروق لممرك ، ولا عجوز إلا وهي تدعو لك ، ولا غيور إلا وقد شقي بك ، فكم من كبد حرّى منضجة ، ومصدوعة مفرثة ، وكم من حشا خافق ، وقلب هائم ، وكم عين ساهرة وأخرى جامدة وأخرى باكية ، وكم عبرى مولهة ، وفتاة معذبة ، قد أقرح قلبها الحزن وأجمد عينها الكمد ، قد استبدلت بالحلي العطلة ، وبالأنس الوحشة ، وبالتكحيل المرة ، فأصبحت والهة مبهوتة ، وهائمة مجهودة ، بعد طرف ناصع ، وسن ضاحك ، وغنج ساحر ، وبعد أن كانت نارا تتوقد ، وشعلة تتوهج ؟ وليس حسنك أبقاك اللّه الحسن الذي تبقى معه توبة ، أو تصح معه عقيدة ، أو يدوم معه عهد ، أو يثبت معه عزم ، أو يمهل صاحبه للتثبت ، أو يتسع للتخير ، أو ينهنهه زجر ، أو يهذبه خوف . هو أعزك اللّه شيء ينقض العادة ، ويفسخ المنّة ، ويعجل عن الرويّة ، ويطرح بالعرا ، وتنسى معه العواقب ، ولو أدركك عمر بن الخطاب لصنع بك أعظم مما صنع بنصر بن الحجاج ، ولركبك بأعظم مما ركب به جعدة السلمي ، بل لدعاه الشغل بك إلى ترك التشاغل بهما ، والغيظ عليك إلى الرحمة لهما . فمن كان عيب حسنه الإفراط عليه من جهة الزيادة ، كيف يرومه عاقل أو ينتقصه عالم . فلا تعجب إن كنت نهاية الهمة وغاية الأمنية ، فإن حسن الوجه إذا وافق حسن القوام ، وجودة الرأي ، وكثرة العلم ، وسعة الخلق ، والمغرس الطيب ، والنصاب الكريم ، والطرف الناصع ، واللسان البين ، والنعمة البهجة والمخرج السهل ، والحديث المونق ، مع الإشارة الحسنة ، والنبل في الجلسة ، والحركة الرشيقة ، واللهجة الفصيحة ، والتمهل في المحاورة ، والهذ عند المناقلة والبديه البديع ، والفكر الصحيح ، والمعنى الشريف ، واللفظ المحذوف ، والايجاز يوم الإيجاز ، والإطناب يوم الاطناب ، يفل الحز ، ويصيب المفصل ، ويبلغ بالعفو ما يقصر عنه الجهد ، كان أكثر لتضاعف
رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 464 | الجاحظ / علي أبو ملحم