رهبني فاتقاني وأعطاني فأغناني . فإن كنت اجترأت عليك فلم أجترئ عليك إلا بك ، وإن كنت أخطأت فلم أخطئ عليك إلا لك ، لأن حسن الظن بك والثقة بعفوك سبب في قلة التحفظ وداعية إلى ترك التحرز .
[ 18 - طلب العفو من أحمد بن عبد الوهاب على مزاح الجاحظ وسخريته ]
وبعد ، فمن وهب الكبير فكيف يقف عند الصغير ، ومن لم يزل يعفو عن العمد كيف يعاقب على السهو ؟ ولو كان عظم قدري هو الذي عظم ذنبي لكان عظم قدرك هو الذي شفع لي ، ولو استحققت عقابك باقدامي عليك مع خوفي لك لاستوجبت عفوك عن إقدامي عليك بحسن ظني بك . على أني متى أوجبت لك العفو فقد أوجبت لك الفضل ، ومتى أضفت إليك العقاب فقد وصفتك بالانصاف ، ولا أعلم حال الفضل إلا أشرف من حال العدل ، ولا الحال التي توجب لك الشكر إلا أرفع من الحال التي توجب لك الصبر . وإن كنت لا تهب عقابي لحرمتي فهبه لأياديك عندي ، فان النعمة تشفع في النعمة ، فإن لم تفعل ذلك للحرمة فافعله لحسن الأحدوثة ، وإن لم تفعل ذلك لحسن الأحدوثة فعد إلى حسن العادة وإن لم تفعله لحسن العادة فأت ما أنت أهله . واعلم أني وإياك متى تحاكمنا إلى كرمك قضى لي عليك ومتى ارتفعنا إلى عقلك حسن العفو عني عندك . وفصل ما بيننا وبينك وفرق ما بين أقدارنا وقدرك انا نسيء وتغفر ، ونذنب وتستر ، ونعوج وتقوم ، ونجهل وتحلم ، وإن عليك الانعام وعلينا الشكر ، ومن صفاتك أن تفعل ومن صفاتنا أن نصف ، فإذا فعلت ما تقدر عليه من العقاب كنت كمن فعل ما يقدر عليه من التعرض ، وصرت ترغب عن الشكر كما رغبنا عن السلم ، وصار التعرض لعفوك بالأمن باطلا ، والتعرض لعقابك بالخوف حقا ، ورغبت عن النبل والبهاء وعن السؤدد