تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦

[ 16 - أسئلة على الفلسفة ]

فخبرني ما كان بينك وبين هرمس في طبيعة الفلك ، وعن سماعك من أفلاطون وما دار في ذلك بينك وبين أرسطاطاليس ، وأي نوع اعتقدت ، وأي شيء اخترت فقد أبت نفسي غيرك وأبت أن تشتفي إلا بخبرك ، ولولا أني كاف برواية الأقاويل ومغرم بمعرفة الاختلاف ، وأني أستجير مسألتك عن كل شيء وابتذالك في كل أمر ، لما سمعت من أحد سواك ، ولما انقطعت إلى أحد غيرك .

[ 17 - مساوئ المزاح ]

واعلم جعلت فداك أني لم أرد بمزاحك إلا ضحك سنك ، ولا كانت غايتي فيك إلا لأنفق عندك ، وقد كنت خفت ألا أكون وقفت على حده وأشفقت من المجاوزة لقدره . والمزاح باب ليس المخوف فيه التقصير ، ولا يكون الخطأ فيه من جهة النقصان . وهو باب متى فتحه فاتح وطرّق له مطرّق لم يملك من سده مثل الذي يملك من فتحه ، ولا يخرج منه بقدر ما كان قدم من نفسه ، لأنه باب أصل بنائه على الخطأ ، ولا يخالطه من الأخلاق إلا ما سخف ، ومن شأنه التزيد وأن يكون صاحبه قليل التحفظ ، ولم نر شيئا أبعد من شر ولا أطول له صحبة ولا أشد خلافا ولا أكثر خلطا من الجد والمزاح والمناظرة والمراء . قال القعقاع بن شور : ليس لمزّاح مروءة ولا لممار خلة . وقال معاوية : المزاح هو الشنار الأصغر . وقال الحسن بن حي : المزاح استدراج من الشيطان واختداع من الهوى . وعاب عمر بعض العظماء فقال : ذلك رجل فيه دعابة . وقال الشاعر : « وجد القول يقدمه المزاح » وقال الآخر « رب كبير ساقة صغير » وقال الآخر « رب جد ساقه اللعب » .