تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 455

مساهمون:

ص٤٥٥
صداقة ما بين الخنفساء والعقرب ، وما بال السواد يصبغ ولا ينصبغ وما بال البياض ينصبغ ولا يصبغ ، ومن صاحب الأصطرلاب ، ومن صاحب القرسطون . ولم أسألك عن الحداد وإنما سألتك عن الفيلسوف وعن علته في المد والجزر . وخبرني عن جوهر الأرض وعن جميع الفلز أشيء مفروغ من خلقه أم أرض يستحيل إليه ، ولم عمل بعض السم في العصب وبعضه في الدم وبعضه فيهما جميعا ، ولم كان بعضه سم نجاز وبعضه سم جهاز ، ولم صار لا يقتل مع العادة وقتل قبل العادة ، ألأنّ الطبائع تنكر الشيء الغريب أم لأنه ضد في نفسه ، وكيف صار مع ريق الأفعى ريق بعض الناس في القتل وفي أيهما سم ، ولم خالف البيش في العصب والدم ، ولم يقتل العقرب إنسانا ويقتله آخر ، ولم صارت الأفعى قاتلة وتأكلها القنافذ ولا تضرها وتأكلها الأروى فلا تتأذى بها ، ولم صارت الهندية تقتل كل شيء ولا يقتلها شيء ولا يستمرئها شيء ، ولم خالف النيل جميع الأودية في النقصان والزيادة ، ولم بلغت جريته الشمال ، ولم صار أقصاه كأدناه ، ومتى يدال منه ومتى يحوله الامام . . ! ؟ وقد علمت جعلت فداك أن الخبر إذا صح أصله وكان للناس علة في نشره وكان في الدلالة على الحق كالعيان وفي الشفاه كالسماع ، على أن الخبر لا يعرف به تكيف الأمور لكن يعرف به جمل الأشياء إلا خبرك فإنك لا تحتاج إلى إشارة ولا إلى إعادة ولا إلى [ علة ولا إلى ] تفسير حتى يقوم خبرك في الشفاه وفي كيفية الشيء مقام العيان . وقد كنت أتعجب من محمد بن عبد الملك وأقول : ما تقولون في رجل لم يقل قط بعد انقضاء خصومته وذهاب خصمه : لو كنت قلت كذا كان أفضل ، أو كنت لم أقل كذا كان أمثل ، فما بال عفوه أكثر من جهدكم وبديهته أبعد من أقصى فكرتكم ؟ فلما رأيتك علمت أنك عذاب صبه اللّه على كل رفيع ، ورحمة أنشأها لكل وضيع .