تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
وأنت تدبر لنفسك وتقيم أود غيرك ، وتتّسع لجميع الرعيّة ، وتبلغ بتدبيرك أقصى الأمة ، وأنا أعجز عن نفسي وعن تدبير أمتي وعبدي . وأنت منعم وأنا شاكر ، وأنت ملك وأنا سوقة ، وأنت مصطنع وأنا صنيعة ، وأنت تفعل وأنا أصف ، وأنت مقدّم وأنا تابع ، وأنت إذا نازعت الرجال وناهضت الأكفاء لم تقل بعد فراغك وانقطاع كلامك : لو كنت قلت كذا كان أجود ، ولو تركت قول كذا لكان أحسن ؛ وأمضيت الأمور على حقائقها ، وسلّمت إليها أقساطها على مقادير حقوقها ؛ فلم تندم بعد قول ، ولم تأسف بعد سكوت . وأنا إن تكلّمت ندمت ، [ وإن جاريت أبدعت ] ورأيي كلّه دبريّ . وأنت تعدّ في الشطرنج زبر ، وأنا في الشّطرنج لا أحد . وما أعرف هاهنا اجتماعا على مشاكلة إلا في الإيثار بخبز الخشكار على الحوّارى ، والباقلّى على الجوزينج ، وأنّا جميعا ندّعي الهندسة . فقد بلغ الآن من جرمي في مساواتك في خبز الخشكار ، وإيثاري الباقلّى ، والمعرفة بتقدير المدن وإجراء القنى ، أن أنفى من جميع الأرض ، وأن تجعل في دمي الجعائل ؛ فإنّي قد هجرت الخبز البتّة إلى مواصلة التّمر ، ونزلت الوبر بدلا من المدر . دعنا الآن فإنّك فارغ . إن اللّه يعلم - وكفى به عليما ، وكفى به شهيدا ، وكفى به حفيظا ووكيلا ، وكفى بجرأة من يعلّمه ما لا يعلم جرأة وتعرّضا ، وكفى بحاله عند اللّه بعدا ومقتا - لقد أردت أن أفديك بنفسي في بعض كتبي ، وكنت عند نفسي في عداد الموتى وفي حيّز الهلكى ، فرأيت أنّ من الخيانة لك ومن اللؤم في معاملتك ، أن أفديك بنفسي ميتة ، وأن أريك أنّي قد جدت لك بأنفس علق والعلق معدوم . ليس أنّ من قد فداك فقد جعل فداك ، ولكنها نهاية من نهايات التعظيم ، ودليل من دلائل الاجتهاد . ومن أعلن الاجتهاد لك واستسرّ خلاف ذلك فقد نافق وخان ، وغشّ وألام . وأخلق بمن أخلّ بهذه ألّا