حال الصّنيعة لمصطنعه ، وحال المولى لمعتقه . فكيف إذا كان الصّنيعة صديقا ، وكان للخاصّة محتملا .
[ 15 - ما يصيب الانسان يصيب صديقه ]
وإنما صارت - أبقاك اللّه - أجزاء النفس وأعضاء الجسد مع كثرة عددها ، واختلاف أخلاطها ، وتباعد أماكنها ، نفسا واحدة وجسدا واحدا ، لاستواء الخواطر ، ولاتفاقها على الإرادة . فأنت وصديقك الموافق ، وخليلك ذو الشكل المطابق ، مستويان في المحابّ ، متّفقان في الهوى ، متشاكلان في الشّهوة ؛ وتعاونكما كتعاون جوارح أحدكما ، وتسالمكما كتسالم المتّفق من طبائعكما . فإذا بان منك صديقك فقد بان منك شطرك ، وإذا اعتلّ خليلك فقد اعتلّ نصفك ، بل النفوس المضمّنة كالمعاني المضمّنة ، فذهاب بعضها هو ذهاب جميعها . فموتي هو موت صديقي ، وحياتي هي حياة صديقي . فلا تبعدنّه من قلبك بعد بدنه من بدنك ؛ فقد يقرب البغيض وينأى الحبيب .
ولعلّ بعض طبائعك المخالط لروحك ، أن يكون أعدى من كلّ عدو ، وأقطع من كلّ سيف ، وأخوف عليك من الأسد الضاري ، ومن السمّ الساري .
ثم اعلم أنّ الموثّق بمودّته قليل ، وقد صار اليوم المعتمد عليه في صحة العقدة ، وفي كرم الغيب والعشرة ، عنقاء مغرب . ولا أعلم الكبريت الأحمر إلّا أوجد منه . وإني لأظنّ القناعة أكثر منه . وما أكثر من جعل انقطاع سببه وضعف طمعه لانقطاع سببه قناعة :
وقيل ليحيى بن خالد : أي شيء أقل ؟ قال : قناعة ذي الهمّة البعيدة بالعيش الدّون ، وصديق قليل الآفات كثير الإمتاع ، شكور النفس ، ويصيب مواضع المدح .