تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 349

مساهمون:

ص٣٤٩
أولى بالضّعف . فلست أسألك أن تمسك إلّا ريثما تسكن إليك نفسك ، ويرتدّ إليك ذهنك ، وحتّى توازن بين شفاء الغيظ والانتفاع بثواب العفو ، وترى الحلم وما يجلب من السلامة وطيب الأحدوثة ، وترى تضرّم الغضب وما يفضى لأهله من فضل القوّة . على أنّ العقل إذا تخلّص من سكر الغضب أصابه ما يصيب المخمور إذا خرج من سكر شرابه ، والمنهزم إذا عاد إلى أهله ، والمبرسم إذا أفاق من برسامه . وما أشكّ أنّ العقل حين يطلق من إساره كالمقيّد حين يفكّ من قيوده ؛ يمشي كالنّزيف ، ويحجل كالغراب . فإذا وجب عليك أن تحذر على عقلك مخامرة داء الغضب بعد تخلّصه ، وأن تتعمّده بالعلاج بعد مباينته له وتخلّصه من يده ، فما ظنّك به وهو أسير في ملكه ، وصريع تحت كلكله ، وقد غطّه في بحره ، وغمره بفضل قوّته . وقد زعموا أنّ الحسن حضر أميرا قد أفرط في عقوبة بعض المذنبين ، فكلّمه فلم يحفل بكلامه ، وخوّفه فلم يتّعظ بزجره ، فقال : إنّك إنما تضرب نفسك ، فإن شئت الآن فأقلّ ، وإن شئت فأكثر . ومعاذ اللّه أن أقول لك كما قال الحسن لذلك الظالم المعتدي ، والمصمّم القاسي ، ولكنّي أقول : اعلم أنّك تضرب من قد جعلك من قتله في حلّ . وإن كان القتل يحلّ بإحلال المقتول ، ويسقط عنه عقابه بهبة المظلوم ؛ ولو أمكن في الدين تواهب قصاص الآخرة في الدّنيا ؛ وإن كان ذلك مما تجود به النفس يوم الحاجة إلى الثواب وإلى رفع العقاب ، وكان الوفاء مضمونا - لكنت أوّل من أسمحت بذلك نفسه ، وانشرح به صدره .