تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
وسكون قلبه إلى خلاف ثقته . هذا وقد خلقه اللّه بيده ، وأسكنه في دار أمنه ، وأسجد له ملائكته ، ورفع فوق العالمين درجته ، وعلّمه جميع الأسماء بجميع المعاني . ولا يجوز أن يعلّمه الاسم ويدع المعنى ، ويعلّمه الدلالة ولا يضع له المدلول عليه . والاسم بلا معنى لغو ، كالظّرف الخالي . والأسماء في معنى الأبدان والمعاني في معنى الأرواح . اللّفظ للمعنى بدن ، والمعنى للّفظ روح . ولو أعطاه الأسماء بلا معان لكان كمن وهب شيئا جامدا لا حركة له ، وشيئا لا حسّ فيه ، وشيئا لا منفعة عنده . ولا يكون اللفظ اسما إلّا وهو مضمّن بمعنى ، وقد يكون المعنى ولا اسم له ، ولا يكون اسم إلّا وله معنى . في قوله جلّ ذكره :
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها
إخبار أنّه قد علّمه المعاني كلّها . ولسنا نعني معاني تراكيب الألوان والطّعوم والأراييح ، وتضاعيف الأعداد التي لا تنتهي ولا تتناهى . وليس لما فضل عن مقدار المصلحة ونهاية الرسم اسم إلّا أن تدخله في باب العلم فتقول : شيء ، ومعنى . الأسماء التي تدور بين الناس إنّما وضعت علامات لخصائص الحالات ، لا لنتائج التركيبات . وكذلك خاصّ الخاصّ لا اسم له إلّا أن تجعل الإشارة المقرونة باللفظ اسما . وإنما تقع الأسماء على العلوم المقصورة ، ولعمري إنّها لتحيط بها وتشتمل . فأما العلوم المبسوطة فإنّها تبلغ مبالغ الحاجات ثم تنتهي . فإذا زعمت أنّ اللّه تبارك وتعالى علّم آدم الأسماء كلّها بمعانيها ، فإنّما تعني نهاية المصلحة لا غير ذلك . هذا وآدم هو الشجرة وأنت ثمرة ، وهو سماويّ وأنت أرضيّ ، وهو الأصل وأنت الفرع ، والأصل أحقّ بالقوّة والفرع