تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠

[ 13 - أسباب التعادي غير متوافرة بين الجاحظ وابن الزيات ]

جعلت فداك ، إنّي قد أحصيت جميع أسباب التعادي ، وحصّلت جميع علل التضاغن ، إلّا علّة عداوة الشيطان للإنسان ؛ فإنّي لا أعرف إلّا مجازها في الجملة ولا أحقّ خاصّتها على التحصيل . وعلى حال فقد عرفتها من طريق الجملة وإن جهلتها من طريق التفصيل . فأما هذا التجنّي فلم أعرفه في خاصّ ولا عامّ . فمن أسباب العداوات تنافس الجيران والقرابات ، وتحاسد الأشكال في الصناعات . ومن أمتن أسبابهم إلى الشرّ وأسرعها إلى المروءة والعقل ، وأقدحها في العرض وأحطبها على الدين ، التشاحّ على المواريث ، والتنازع في تخوم الأرضين . فإن اتّفق أن يكون بين المتشاكلين في القرابة كان السبب أقوى ، والداء أدوى . وعلى حساب ذلك إن جمعت هذه الخصومة مع الجوار والقرابة واستواء الحظّ في الصناعة . ولذلك كتب عمر رضي اللّه عنه إلى قضاته : أن ردّوا القرابات عن حرا القضاء فإن ذلك يورث التضاغن . ولم أعجب من دوام ظلمك ، وثباتك على غضبك ، وغلظ قلبك ، ودورنا بالعسكر متجاورة ، ومنازلنا بمدينة السّلام متقابلة ، ونحن ننظر في علم واحد ، ونرجع في النحلة إلى مذهب واحد ؛ ولكن اشتدّ عجبي منك اليوم وأنا بفرغانة وأنت بالأندلس ، وأنا صاحب كلام وأنت صاحب نتاج ، وصناعتك جودة الخطّ وصناعتي جودة المحو ، وأنت كاتب وأنا أمّي ، وأنت خراجيّ وأنا عشريّ ، وأنت زرعيّ وأنا نخليّ . فلو كنت إذ كنت من بكر كنت من تميم ، كان ذلك إلى العداوة سببا ، وإلى المنافسة سلّما . أنت أبقاك اللّه شاعر وأنا راوية ، وأنت طويل وأنا قصير ، وأنت أصلع وأنا أنزع ، وأنت صاحب براذين وأنا صاحب حمير ، وأنت ركين وأنا عجول ،